
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - أعلنت الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، عن اتخاذ قرار احترازي يقضي بحجز وإيقاف توزيع كميات من دفعات حليب معقم نصف دسم من نوع UHT، وذلك إلى حين استكمال التحاليل المخبرية والتثبت النهائي من مدى سلامة المنتوج ومطابقته للمواصفات الصحية المعمول بها.
ويأتي هذا القرار بعد تلقي الهيئة عدداً من الإشعارات والتشكيات من مستهلكين أفادوا بوجود تغيرات غير معتادة في خصائص الحليب المعروض للبيع، خاصة على مستوى الطعم والرائحة، ما أثار شكوكا حول مطابقة بعض الدفعات للمواصفات المعتمدة. كما أكد عدد من المستهلكين، وفق ما تم تداوله، أن الحليب المعني كانت تنبعث منه رائحة تشبه مادة "الجافال" أو يحمل مذاقاً قريباً منها، وهو ما زاد من حالة القلق ودفع إلى تصاعد الدعوات للتثبت من حقيقة ما تم ترويجه بالأسواق.
وأكدت الهيئة أن مصالحها تدخلت فور ورود هذه المعطيات، حيث تم توجيه فرق رقابية بصفة عاجلة إلى وحدات التصنيع المعنية من أجل القيام بالتحريات اللازمة.
وشملت التحقيقات الميدانية مختلف مراحل إنتاج الحليب، بداية من التزود بالمواد الأولية وصولاً إلى عمليات التصنيع والتعليب، كما تم التدقيق في مدى احترام شروط السلامة الصحية داخل الوحدات الصناعية، ومراقبة ظروف الخزن والتوزيع، إلى جانب التثبت من نجاعة نظام إدارة الجودة المعتمد داخل المؤسسات المعنية.
وفي إطار هذه التحريات، قامت الفرق التابعة للهيئة باقتطاع عينات من الدفعات محل الشبهة وإحالتها على التحاليل المخبرية الضرورية للتأكد من مدى مطابقة المنتوج للمواصفات الصحية الجاري بها العمل. وأوضحت الهيئة أن قرار الحجز وإيقاف التوزيع تم اتخاذه في إطار مبدأ الحيطة والوقاية، إلى حين صدور النتائج النهائية التي ستحسم طبيعة الإخلالات المحتملة.
وأكدت الهيئة أنها ستتخذ كل الإجراءات القانونية المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل في حال ثبوت عدم مطابقة الحليب المعني، مشددة في الوقت نفسه على أهمية مواصلة المواطنين الإبلاغ عن أي حالات مشابهة أو أي منتوجات غذائية يشتبه في وجود خلل فيها، حتى يتسنى التدخل السريع وحماية صحة المستهلك.
كما جددت التأكيد على أن تدخلاتها الرقابية ستتواصل بصفة دورية ومسترسلة بهدف ضمان سلامة المنتجات الغذائية المتداولة في الأسواق والحفاظ على الصحة العامة، خاصة في ظل تزايد المخاوف المرتبطة بقطاع الحليب خلال الأشهر الأخيرة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يتواصل فيه الجدل حول تنامي الاعتماد على الحليب المجفف المستورد داخل المنظومة الوطنية. وكان الإعلامي بوبكر بن عكاشة قد أثار مؤخراً موجة واسعة من النقاش بعد تصريحاته التي أكد فيها أن الحليب المجفف أصبح يستعمل بشكل متزايد لتعويض نقص الحليب الطازج، خاصة خلال الفترات التي يتراجع فيها الإنتاج الوطني مثل فصل الشتاء.
وذهب بن عكاشة إلى حد القول إنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن تصريحاته، مؤكداً أن جزءاً من الحليب الذي يتم تسويقه اليوم على أساس أنه حليب طازج هو في الواقع حليب مجفف مستورد تتم إعادة تركيبه محلياً عبر خلطه بالماء قبل إدخاله إلى مسالك التوزيع والاستهلاك.
ويعود هذا الجدل أيضاً إلى الإجراءات التي كانت وزارة المالية قد أعلنت عنها سنة 2025 والمتعلقة بالحليب المجفف كامل الدسم ونصف الدسم، حيث أقرت تخفيفاً أو تعليقاً لبعض المعاليم الديوانية بهدف تسهيل عمليات التوريد والتحويل المحلي. وبررت الوزارة آنذاك هذه الإجراءات بالحاجة إلى توفير الكميات الضرورية لفائدة المهنيين، على غرار المقاهي والنزل والمؤسسات الصناعية، قصد ضمان استمرارية نشاطهم وعدم تسجيل اضطرابات في التزود.
غير أن اتساع استعمال الحليب المجفف خارج تلك القطاعات، ووصوله إلى السوق الاستهلاكية بشكل أكبر، أثار مخاوف متزايدة من أن يتحول تدريجياً إلى بديل دائم للحليب الطازج، خاصة مع تواصل الصعوبات التي يشهدها قطاع إنتاج الحليب في تونس.
ويذكر متابعون للقطاع أن البلاد كانت قبل سنوات تعتمد بدرجة أكبر على الحليب المجفف، قبل أن تنجح السياسة الفلاحية التي اعتمدتها الدولة خلال تسعينيات القرن الماضي في دعم تربية الأبقار الحلوب وتطوير السلالات وتوسيع مزارع الإنتاج. وقد سمحت تلك السياسة لتونس بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحليب سنة 1999، والحد بشكل كبير من اللجوء إلى الاستيراد.
لكن هذا التوازن بدأ يتراجع تدريجياً خلال السنوات الأخيرة تحت تأثير عدة عوامل، من بينها التغيرات المناخية وتراجع التساقطات وارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة، فضلاً عن تقلص أعداد الأبقار نتيجة تخلي عدد من المربين عن النشاط بسبب ضعف المردودية. وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ما دفع السلطات والمهنيين إلى العودة بشكل أكبر إلى توريد الحليب المجفف كحل سريع لتغطية النقص المسجل في السوق.