
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، سجلت الأسواق العالمية للنفط قفزة ملحوظة في الأسعار، في تحرك يعكس حساسية سوق الطاقة لأي اضطرابات جيوسياسية في المنطقة. هذا الارتفاع يضع تونس أمام تحديات متزايدة بحكم اعتمادها الكبير على واردات النفط والغاز، إذ إن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى أقل من نصف الحاجيات الوطنية، ما يجعل الاقتصاد عرضة لتداعيات مباشرة وغير مباشرة تمتد من أسعار المحروقات إلى كلفة الكهرباء وصولاً إلى أسعار مختلف السلع والخدمات.
وتشير المعطيات إلى أن أي زيادة في الأسعار العالمية للنفط تنعكس سريعاً على السوق التونسية، خاصة وأن البلاد تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها من المنتجات النفطية المكررة. التجارب السابقة أظهرت أن ارتفاعاً بنسبة 1 بالمائة في أسعار النفط يقود إلى زيادة في التضخم بنحو 0.285 بالمائة، مع بروز التأثير بشكل أوضح في قطاعي النقل والزراعة نظراً لاعتمادهما المكثف على المحروقات، ولا سيما الديزل. ومع أن التوقعات قبل موجة التصعيد الأخيرة كانت ترجح تراجع أسعار النفط خلال سنة 2026 إلى ما بين 60 و70 دولاراً للبرميل، بما كان سيفسح المجال لتخفيف الضغط على أسعار الوقود محلياً، فإن المعطيات الجديدة ترجح منحى مغايراً، إذ يُنتظر أن تشهد أسعار البنزين والديزل زيادة تتراوح بين 7 و10 بالمائة خلال الأشهر المقبلة في حال تواصلت الاضطرابات وتعطل الإمدادات. ومن المرجح أن تلجأ الحكومة إلى الترفيع التدريجي في الأسعار، على غرار زيادات سابقة بلغت 0.070 دينار للتر، في مسعى للتقليص من الضغط على الميزانية مع الإبقاء على قدر محدود من الدعم لتفادي موجة تضخمية حادة. غير أن ارتفاع كلفة النقل سيقود بدوره إلى زيادة أسعار عديد السلع، خاصة المنتجات الفلاحية التي تعتمد بشكل كبير على المحروقات في عمليات الإنتاج والتوزيع.
ولا يقتصر التأثير على سوق الوقود، بل يمتد إلى قطاع الكهرباء والغاز، حيث تنتج تونس قرابة 80 بالمائة من كهربائها اعتماداً على الغاز الطبيعي، الذي يصل معظمه من الجزائر عبر خطوط الأنابيب. ورغم أن الإمدادات الأساسية مرتبطة بعقود وأنابيب إقليمية، فإن الارتفاع العالمي في أسعار الغاز، الذي بلغ في بعض التقديرات نحو 40 بالمائة نتيجة تعطل إمدادات من قطر والإمارات، يرفع كلفة الإنتاج. هذا الوضع يضع الشركة التونسية للكهرباء والغاز أمام ضغوط مالية متزايدة، وقد يدفعها إلى مراجعة التعريفات لتعويض الخسائر، كما حدث سنة 2022 عندما تم الترفيع في أسعار الكهرباء المنزلية. وعلى المدى القصير، تفيد التقديرات بإمكانية زيادة أسعار الكهرباء بنسبة تتراوح بين 5 و8 بالمائة إذا استمرت التطورات الحالية، الأمر الذي قد يعمق عجز الطاقة المسجل والذي بلغ 56 بالمائة سنة 2024. وفي الأفق المتوسط والبعيد، تراهن تونس ضمن خطتها الطاقية إلى حدود 2050 على خفض الاعتماد على الغاز المستورد بنسبة 30 بالمائة عبر التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية، وهو توجه قد يخفف من وطأة الصدمات الخارجية مستقبلاً، إلا أن أثره لن يكون فورياً. كما أن الطلب على الكهرباء مرشح للنمو بنحو 30 بالمائة في أفق 2040 بفعل التحولات الصناعية وتنامي استخدامات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما يزيد من حساسية القطاع لأي اضطراب في كلفة الطاقة.
وتتسع دائرة التأثير لتشمل أسعار المنتجات الاستهلاكية والتضخم العام، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى ما يُعرف بتضخم التكاليف، حيث تنتقل الزيادة في كلفة الإنتاج والنقل إلى المستهلك النهائي. وتشير التقديرات إلى أن كل زيادة بنسبة 1 بالمائة في أسعار النفط قد ترفع أسعار السلع الاستهلاكية بنحو 0.3 بالمائة. وتعد قطاعات الغذاء والصناعة والخدمات الأكثر تأثراً، نظراً لاعتمادها المباشر وغير المباشر على الطاقة. وكانت التوقعات السابقة تشير إلى استقرار نسبة التضخم في حدود 5.3 بالمائة خلال 2026 مع تراجع مرتقب في أسعار الزيوت الغذائية، غير أن استمرار التوترات وبلوغ أسعار النفط مستوى يتراوح بين 80 و90 دولاراً للبرميل قد يدفع التضخم إلى مستوى بين 6 و7 بالمائة. هذا السيناريو سيؤدي إلى مزيد من الضغط على الميزان التجاري، خاصة وأن واردات النفط والغاز تمثل أكثر من 7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي المقابل، قد تشكل الطفرة المسجلة في إنتاج زيت الزيتون، المتوقع أن يتراوح بين 380 و400 ألف طن، عاملاً إيجابياً يدعم الصادرات ويعوض جانباً من الخسائر الناجمة عن ارتفاع فاتورة الطاقة.
في المحصلة، يبقى المسار النهائي للأسعار في تونس رهين تطور الأوضاع في الشرق الأوسط. فإذا هدأت التوترات وعادت الأسواق إلى الاستقرار، قد تستأنف الأسعار منحاها النزولي المتوقع سابقاً في حدود 60 إلى 70 دولاراً للبرميل، بما يخفف الضغط على المالية العمومية والقدرة الشرائية. أما في حال استمرار التصعيد، فإن الاقتصاد التونسي سيواجه ضغوطاً مضاعفة تشمل ارتفاع كلفة الطاقة، زيادة العجز، وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما يعزز الحاجة إلى تسريع الانتقال نحو مصادر الطاقة المتجددة وتقليص التبعية للواردات كخيار استراتيجي لتأمين الاستقرار الاقتصادي مستقبلاً.