القائمة الرئيسية

الصفحات

شاهد الفيديو / قرار أمني من الرئيس قيس سعيد وخبير قانوني يفسر ما سيحدث / Video Streaming


أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن مواصلة العمل بحالة الطوارئ في كامل تراب الجمهورية لمدة إضافية تمتد أحد عشر شهرًا، على أن يتواصل سريانها إلى غاية 31 ديسمبر 2026، وفق ما نقلته وكالة الأنباء التونسية الرسمية، وذلك بعد صدور القرار بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية ليكتسب صبغته التنفيذية والقانونية. ويأتي هذا الإجراء في سياق سلسلة من القرارات السابقة التي اعتمدتها رئاسة الدولة بخصوص الملف نفسه، حيث كان قد تم في موفى السنة الماضية التمديد في حالة الطوارئ انطلاقًا من غرة جانفي 2026 إلى حدود 31 جانفي الجاري، قبل أن يُتخذ قرار جديد يقضي بإطالة الفترة لعدة أشهر إضافية.

ويمثل هذا التمديد حلقة جديدة ضمن مسار طويل بدأ فعليًا منذ سنة 2015، وهي الفترة التي شهدت خلالها البلاد جملة من التطورات الأمنية المتلاحقة التي دفعت السلطات إلى اعتماد آليات استثنائية للتعامل مع الوضع العام. ومنذ ذلك التاريخ لم يقع رفع حالة الطوارئ بصورة فعلية، بل تحولت إلى إجراء يُجدد على فترات متقاربة، بحيث أصبحت البلاد تعيش في ظل وضع استثنائي متواصل يكاد يكون دائمًا، يتجدد كل بضعة أشهر عبر أوامر رئاسية متعاقبة دون انقطاع يذكر.

ويرتكز تطبيق حالة الطوارئ في تونس على الأمر عدد 50 لسنة 1978، وهو نص قانوني يمنح السلط التنفيذية، وخاصة وزارة الداخلية والولاة، صلاحيات موسعة تتجاوز الإجراءات العادية المعمول بها في الظروف الطبيعية، وذلك متى رأت أن الأمن العام أو النظام العام مهددان. ويُفترض أن يُفعّل هذا الإطار القانوني عند وجود أخطار جدية من قبيل العمليات الإرهـ ـ-ـأاابية أو الاضطرابات الأمنية أو التحركات الاحتجاجية العنيفة أو أي تهديد مباشر لسلامة الدولة ومؤسساتها. وبعد الأحداث التي عرفتها البلاد بداية من سنة 2015، على غرار ما جرى في متحف باردو وسوسة وغيرها، اعتُبر أن الظرف الأمني يقتضي تمكين السلطات من أدوات أسرع وأكثر مرونة لمراقبة التحركات والتجمعات والتدخل عند الحاجة دون انتظار المسارات القضائية المطولة.

ويمنح قانون الطوارئ جملة من الصلاحيات الاستثنائية، من بينها منع الاجتماعات والتجمّعات والإضرابات أو إخضاعها لترخيص مسبق، وفرض حظر جولان في أوقات أو مناطق محددة، ووضع أشخاص تحت الإقامة الجبرية أو المراقبة الإدارية، والقيام بعمليات تفتيش خارج الإجراءات التقليدية، إضافة إلى إمكانية غلق بعض الفضاءات أو الحد من التنقل بين الجهات. وتُعد هذه الصلاحيات أسرع تنفيذًا من الآليات القضائية العادية، وهو ما تعتبره الدولة ضروريًا عند التعامل مع أوضاع توصف بالحساسة أو المتقلبة.

ورغم أن فلسفة الطوارئ تقوم من حيث المبدأ على الطابع المؤقت والاستثنائي، فإن تواصل تمديدها على مدى سنوات جعلها أقرب إلى حالة اعتيادية تبررها السلطات بما تصفه بهشاشة الوضع الأمني، في ظل تهديدات إرهـ ـ-ـأااابية متكررة، وانتشار شبكات التهريب والجريمة المنظمة، وتكرار الاحتجاجات الاجتماعية، إلى جانب حالة من عدم الاستقرار السياسي. وبناءً على ذلك ترى الحكومات المتعاقبة أن الإبقاء على هذا الإطار القانوني يوفر لها آلية جاهزة للتدخل السريع كلما دعت الحاجة.

في المقابل، تثير هذه المقاربة انتقادات متواصلة من منظمات وجمعيات حقوقية تعتبر أن تحويل الطوارئ إلى وضع دائم يُفرغها من معناها الأصلي كإجراء استثنائي، ويجعلها قاعدة بدل أن تكون استثناء، وهو ما قد ينعكس على الحقوق والحريات العامة. وتذهب هذه الأطراف إلى أن التمديد المتكرر يقلص من الرقابة والمساءلة ويجعل الصلاحيات الواسعة أمرا مألوفا لا يثير النقاش الكافي.

ومن الناحية القانونية والإجرائية، يفسر اللجوء إلى الإعلان لفترات قصيرة ثم التمديد المتتالي بما ينص عليه الأمر عدد 50، الذي يحدد أن إعلان الطوارئ يكون لمدة محدودة، عادة شهرًا أو ثلاثة أو ستة أشهر، قبل إمكانية تجديدها بأمر رئاسي جديد. وتقوم هذه الفلسفة على مراجعة الوضع بشكل دوري وتقييم الحاجة الحقيقية لمواصلة العمل بالإجراءات الاستثنائية، بما يمنع منح صلاحيات موسعة لفترة طويلة دفعة واحدة، وهو ما قد يُعتبر مخالفًا لروح القانون التي تشدد على الطابع الوقتي.

وتضاف إلى ذلك اعتبارات سياسية واتصالية، إذ يتيح الإعلان لفترات قصيرة هامشًا أكبر للسلطة لاتخاذ قرارات سريعة، سواء برفع الطوارئ إذا تحسن الوضع أو تشديدها أو تعديل نطاقها الجغرافي إذا استجدت معطيات جديدة. أما إعلانها لسنة كاملة منذ البداية فقد يُقيّد صانع القرار ويجعل أي تراجع مبكر يُفهم كارتباك أو سوء تقدير.

كما أن الإعلان عن سنة كاملة قد يترك انطباعًا داخليًا وخارجيًا بأن البلاد تمر بوضع أمني خطير ومزمن، وهو ما يمكن أن يثير مخاوف المنظمات الحقوقية ويؤثر على صورة تونس لدى شركائها الدوليين، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على ثقة المستثمرين والقطاع السياحي. في المقابل، تبدو التمديدات القصيرة أقل حدة من الناحية الرمزية والإعلامية، وتُقدَّم رسميًا باعتبارها إجراءات ظرفية تخضع للتقييم المستمر.

وبمرور الوقت، أصبح إصدار أوامر التمديد عملية شبه روتينية تتكرر كل بضعة أشهر دون تغييرات جوهرية في السياسات العامة، ما يجعل المسألة أقرب إلى ممارسة إدارية متواصلة أكثر منها قرارًا استثنائيًا في كل مرة. وبهذا المعنى، فإن الجمع بين المبررات القانونية والسياسية والأمنية والاقتصادية يفسر اعتماد صيغة الإعلان القصير مع التمديد المتكرر، حتى وإن كانت النتيجة العملية واحدة، وهي استمرار حالة الطوارئ طوال السنة بشكل شبه دائم.

الفيديو: