
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - أعادت الرسالة التي بعث بها راشد الغنوشي من داخل السجن إثارة النقاش السياسي والقضائي في تونس، في وقت باتت فيه الأحكام الصادرة بحقه تتجاوز 106 سنوات سجناً إضافة إلى عقوبة بالسجن مدى الحياة إثر الحكم الأخير الصادر في جوان 2026 ضمن ما يُعرف بقضية "الجهاز السري". وتتصل هذه الأحكام بعدة ملفات تتعلق بالتخابر والتآمر على أمن الدولة والتمويل الأجنبي غير المشروع، إلى جانب القضية المذكورة.
وتتزامن هذه المستجدات مع تأكيدات رسمية متواصلة بأن القضايا المرفوعة ضد رئيس حركة النهضة ورئيس مجلس نواب الشعب السابق تُعالج في إطار قضائي بحت، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو حزبية. كما تشدد الجهات الرسمية على أن هذه الملفات تندرج ضمن القضايا الجنائية، وترفض توصيفها كقضايا ذات خلفية سياسية، مع التأكيد على عدم وجود أي توجه نحو العفو أو التسوية في الملفات المرتبطة بأمن الدولة والتخابر نظراً لحساسيتها.
وفي رسالته الأخيرة، دعا الغنوشي إلى إطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف الأطراف دون استثناء، معتبراً أن تونس بحاجة إلى توافق واسع يساعد على تجاوز التحديات والأزمات الراهنة. كما قدم نفسه باعتباره جزءاً من الحل الممكن، داعياً إلى اعتماد مقاربة سياسية تقوم على إشراك جميع المكونات الفاعلة في الساحة الوطنية.
وعاد الغنوشي إلى ملابسات إيقافه، مؤكداً أن القضية بدأت عقب خطاب ألقاه قبل ثلاث سنوات دعا فيه، وفق روايته، إلى تجنب الاحتراب الأهلي وترسيخ ثقافة الحوار وقبول الاختلاف. وقال إن ذلك الخطاب الذي اعتبره رسالة تحذير ونصح تم تأويله لاحقاً على أنه جزء من مخطط تآمري، الأمر الذي قاد إلى تتبعه قضائياً وسجنه. واستشهد بعبارته التي تحدث فيها عن أن "الاحتراب الأهلي بديل التنوع والتحاور، وقبول الاختلاف وسماع الآخر هو ضمانة التعايش السلمي"، معتبراً أن تلك التصريحات استُعملت ضده خارج سياقها الأصلي.
كما أكد رئيس البرلمان السابق أن وجوده خلف القضبان لا يعود، بحسب تقديره، إلى مسار قضائي عادي، بل إلى ما يصفه بخيار سياسي، مشيراً إلى أن القضايا ما تزال تُفتح تباعاً ضده وأن الأحكام تتواصل في الصدور. وجدد تمسكه بمقاطعة القضاء خلال مراحل التحقيق والمحاكمة، مبرراً ذلك بعدم اقتناعه بتوفر الضمانات القانونية والإجرائية الكافية للمشاركة في تلك المسارات.
من جهة أخرى، يرى عدد من المراقبين والمحللين أن الدعوة الجديدة إلى الحوار الوطني لا يمكن فصلها عن الوضع القضائي المعقد الذي يواجهه الغنوشي، معتبرين أنها تأتي في ظل أحكام نهائية ثقيلة تجاوزت 106 سنوات سجناً إضافة إلى السجن مدى الحياة. ويعتقد هؤلاء أن الخطاب الجديد يهدف إلى إعادة تقديمه كشخصية سياسية قادرة على لعب دور في المشهد الوطني، رغم القضايا الخطيرة التي تلاحقه أمام القضاء.
ويشير هؤلاء إلى وجود تباين واضح بين الخطاب السياسي الذي يقدمه الغنوشي في رسائله وبين المسار القضائي الذي يواجهه منذ سنوات، إذ يسعى إلى الظهور في صورة الداعي إلى الحوار والتوافق، في حين ترتبط الملفات المنظورة ضده باتهامات تشمل التخابر والتمويل الأجنبي غير المشروع والتآمر على أمن الدولة وقضية "الجهاز السري"، وهي ملفات ما تزال تحظى باهتمام واسع داخل الساحة التونسية.
وفي السياق ذاته، اعتبر أستاذ القانون زياد القاسمي أن تمسك الغنوشي برفض المثول أمام المحكمة واعتماده خطاباً يرتكز على الحديث عن تصفية الحسابات يعكس، في نظره، ضعفاً في موقفه القانوني. وأضاف أن الامتناع عن الحضور أمام القضاء وعدم مجابهة ما تتضمنه ملفات التخابر والتمويل الأجنبي غير المشروع وقضية الجهاز السري من أدلة ومعطيات، يمكن اعتباره مؤشراً على صعوبة الدفاع عن نفسه في مواجهة الاتهامات الواردة بتلك القضايا.