
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - أذن قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بالمهدية بإصدار عشر بطاقات إيداع بالسجن في حق عدد من المشتبه في تورطهم في نشاط منظم يتعلق بالتنقيب غير القانوني عن الآثار داخل موقع مصنف ذي صبغة أثرية، مع الاتجار في قطع يشتبه في كونها أصلية، وقد شملت الإجراءات ثلاثة موظفين من بينهم إطار سام في الوظيفة العمومية وعونا أمن أحدهما لا يزال مباشرا لمهامه والثاني متقاعد. وتعود أطوار القضية إلى معلومات بلغت النيابة العمومية تفيد بوجود شبكة تنشط في الحفر داخل أرض ذات طابع أثري، وهو ما استدعى تدخل ممثل النيابة العمومية الذي تحول مرفوقا بأعوان الضابطة العدلية إلى المكان المعني حيث تمت المعاينات الميدانية وعمليات التفتيش.
وخلال هذه العملية تم حجز مجموعة من القطع النقدية التي تحوم حولها شبهات كونها أثرية، إلى جانب معدات مخصصة لأعمال التنقيب وعدد من الكتب التي يشتبه في استعمالها في مثل هذه الأنشطة، كما تم ضبط كمية من العملة الصعبة، الأمر الذي فتح على إثره بحث ديواني بالتوازي مع توجيه تهمة غسل الأموال للمشتبه فيهم. وقد تعهدت فرقة مختصة ببن عروس بمواصلة الأبحاث التحقيقية في الملف، وذلك على خلفية تكوين وفاق يهدف إلى التنقيب عن الآثار داخل مواقع مصنفة إضافة إلى شبهة غسل الأموال المرتبطة بهذه الأنشطة.
وكان الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية بالمهدية وليد الشطربي قد أشار في وقت سابق إلى الاحتفاظ بستة عشر شخصا في نفس القضية، قبل أن تتطور الأبحاث لتشمل إيداع عدد منهم السجن، في إطار تتبع شبكة يشتبه في تنظيمها لعمليات الحفر والاتجار في التراث الأثري. وتندرج هذه القضية ضمن سياق أوسع تعيشه تونس منذ سنوات، حيث تتواصل ظاهرة التنقيب غير المشروع عن الآثار بشكل مقلق، مستفيدة من ثراء البلاد بمخزون أثري ضخم يقدر بما بين ثلاثة وثلاثين ألفا وخمسين ألف موقع، يمتد عبر حضارات متعددة من الفينيقية والرومانية والبيزنطية وصولا إلى الإسلامية، وهو ما جعل هذه المواقع عرضة للاستهداف والنهب.
وتعود جذور هذه الظاهرة إلى فترات سابقة، إذ ارتبطت خلال الحقبة الاستعمارية بعمليات تنقيب قادتها بعثات أوروبية تحولت في عديد الأحيان إلى غطاء لتهريب قطع ثمينة إلى الخارج، حيث استولى دبلوماسيون ومستكشفون على آثار هامة انتهى بها المطاف في متاحف عالمية، على غرار متحف اللوفر الذي يحتضن آلاف القطع التونسية. واستمر هذا النزيف خلال فترات لاحقة، إذ طالت اتهامات في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي أطرافا من محيطه العائلي باستغلال الآثار وتهريبها أو استخدامها في تزيين القصور.
وتفاقمت الظاهرة بشكل لافت بعد سنة 2011، مستفيدة من حالة الانفلات الأمني، حيث برزت شبكات جديدة إلى جانب منقبين هواة، وبلغت عمليات الحفر غير القانوني مستويات مرتفعة في بعض الفترات، في ظل ضعف الحراسة على مواقع واسعة خاصة في مناطق مثل طبربة والقصرين والمهدية. كما تلعب عوامل اجتماعية واقتصادية دورا في تغذية هذه الأنشطة، على غرار البطالة والفقر وانتشار الاعتقاد بوجود كنوز مدفونة، وهو ما يدفع بعض الأهالي إلى الانخراط فيها بحثا عن الربح السريع رغم المخاطر القانونية.
ولا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد إلى أضرار جسيمة تلحق بالمخزون الحضاري، إذ يؤدي الحفر العشوائي إلى تدمير الطبقات الأثرية وفقدان معطيات تاريخية لا يمكن تعويضها، باعتبار أن جزءا كبيرا من تاريخ تونس لا يزال مدفونا تحت الأرض. كما تتسبب هذه الأنشطة في خسائر اقتصادية معتبرة تقدر بمليارات الدولارات، فضلا عن تأثيرها السلبي على صورة البلاد التي توصف غالبا بأنها متحف مفتوح.
وتسعى السلطات التونسية إلى التصدي لهذه الظاهرة من خلال تدخلات أمنية متواصلة وتطبيق الأطر القانونية الجاري بها العمل، حيث يضطلع المعهد الوطني للتراث بدور في مراقبة المواقع وحجز القطع والمطالبة باسترجاع المهرب منها، في حين يجرم القانون الصادر سنة 1994 والمنقح في 2011 عمليات التنقيب غير الشرعي والاتجار في الآثار، مع فرض عقوبات سجنية وخطايا مالية، رغم اعتبار البعض لها غير رادعة بالشكل الكافي. كما أبرمت تونس اتفاقيات دولية، من بينها اتفاق مع الولايات المتحدة سنة 2023، بهدف الحد من توريد القطع الأثرية غير القانونية. وفي المقابل تتواصل الدعوات إلى مزيد تعزيز الحماية الميدانية للمواقع الأثرية وتكثيف الوعي المجتمعي بأهمية هذا التراث، إلى جانب تطوير البحث الأثري العلمي كبديل قانوني يحفظ الذاكرة الوطنية من الضياع.