
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - أعادت الرسالة الأخيرة التي وجّهها راشد الغنوشي من داخل السجن الجدل السياسي والقضائي في تونس إلى الواجهة، وذلك في وقت تجاوزت فيه الأحكام القضائية الصادرة بحقه سبعين عاماً سجناً في عدد من القضايا المرتبطة بالتخابر والتآمر على أمن الدولة والتمويل الأجنبي غير المشروع. وتأتي هذه التطورات وسط تشديد رسمي على أن الملفات المفتوحة ضد رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان السابق تتعلق بقضايا تنظر فيها المحاكم، ولا ترتبط بأي خلاف سياسي أو حزبي.
وتؤكد المعطيات الرسمية الصادرة حتى شهر أبريل 2026 أن الرئاسة التونسية تعتبر القضايا المرفوعة ضد الغنوشي ذات طابع جنائي صرف، وترفض التعامل معها باعتبارها ملفات سياسية. كما تشير المصادر الرسمية إلى عدم وجود أي توجه نحو إصدار عفو أو تسوية في القضايا المرتبطة بأمن الدولة أو التخابر، باعتبارها من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية.
وفي خضم هذه الأحكام النهائية والإجراءات القضائية المتواصلة، خرج الغنوشي برسالة جديدة دعا فيها إلى إطلاق حوار وطني شامل لا يُقصي أي طرف، معتبراً أن تونس تحتاج إلى توافق واسع لمعالجة الأزمات التي تواجهها. وقدم نفسه في الرسالة باعتباره جزءاً من الحل الممكن، داعياً إلى مقاربة سياسية جديدة تقوم على إشراك مختلف القوى وعدم استبعاد أي مكون من المشهد.
الغنوشي عاد في رسالته إلى ظروف إيقافه، مؤكداً أن القضية انطلقت إثر خطاب ألقاه قبل ثلاث سنوات تحدث فيه عن ضرورة تجنب الاحتراب الأهلي والتمسك بالحوار وقبول الاختلاف. وقال إن ما اعتبره حينها خطاباً للتحذير والنصح تم تحويله لاحقاً إلى ما وصفه بخطة تآمر، انتهت إلى محاكمته وسجنه. واستشهد بعبارته التي قال فيها إن “الاحتراب الأهلي بديل التنوع والتحاور، وقبول الاختلاف وسماع الآخر هو ضمانة التعايش السلمي”، معتبراً أن هذه التصريحات استُخدمت ضده في سياق مختلف عما كان يقصده.
كما شدد رئيس البرلمان السابق على أن وجوده في السجن ليس نتيجة مسار قضائي طبيعي، بل بسبب ما وصفه بقرار سياسي، مضيفاً أن القضايا ما تزال تُفتح تباعاً ضده، وأن الأحكام تستمر في الصدور. وأكد أنه لا يزال متمسكاً بقرار مقاطعة القضاء، سواء في مرحلة التحقيق أو أثناء المحاكمة، مبرراً ذلك بعدم اقتناعه بوجود ضمانات قانونية وقضائية وإجرائية كافية تسمح له بالمشاركة في تلك المسارات.
في المقابل، يرى مراقبون ومحللون أن الدعوة الجديدة التي أطلقها الغنوشي للحوار الوطني لا تنفصل عن وضعه القضائي المعقد، ويعتبرون أنها تمثل محاولة سياسية للالتفاف على الأحكام النهائية الصادرة ضده. ويذهب عدد منهم إلى أن الرجل يسعى من خلال هذا الخطاب إلى إعادة تقديم نفسه باعتباره طرفاً لا يزال قادراً على لعب دور في إنقاذ البلاد، رغم كونه متهماً في ملفات خطيرة لا تزال معروضة أمام القضاء.
ويعتبر هؤلاء المحللون أن هناك فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الذي يتبناه الغنوشي في رسائله، وبين الواقع القضائي الذي يلاحقه منذ سنوات. فبينما يحاول الظهور في صورة السياسي الداعي إلى الحوار والتوافق، فإن ملفاته أمام القضاء تتعلق باتهامات ثقيلة تشمل التخابر والتمويل المشبوه والتآمر على أمن الدولة، وهي قضايا لا تزال تشكل محوراً رئيسياً في المشهد التونسي.
وفي السياق نفسه، رأى أستاذ القانون زياد القاسمي أن رفض الغنوشي المتكرر للمثول أمام المحكمة، واعتماده خطاباً يقوم على الحديث عن تصفية الحسابات، يكشف في جوهره عن هشاشة موقفه القانوني. واعتبر أن الامتناع عن الحضور أمام القضاء وعدم مواجهة الأدلة المقدمة في ملفات التخابر والتمويل الأجنبي غير المشروع، يمثل اعترافاً ضمنياً بصعوبة الدفاع عن نفسه أمام ما تتضمنه تلك القضايا من معطيات واتهامات.