
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - تشير معطيات وتقارير حديثة إلى تحوّل لافت طرأ على شواطئ “كوكو بيتش” الشهيرة بمعتمدية غار الملح، حيث اختفى ما يناهز أربعة إلى خمسة كيلومترات من الشريط الساحلي في فترة وجيزة، بعد أن غمرت مياه البحر أجزاء واسعة منه وأعادت رسم ملامحه بشكل غير مسبوق. هذا التغيّر لم يقتصر على تآكل الرمال فحسب، بل أدى أيضاً إلى تبدّل في شكل البحيرة المجاورة واتصالها المباشر بالبحر، في مشهد يعكس حجم التحولات التي شهدتها المنطقة خلال أسابيع قليلة فقط.
وبحسب ما أورده خبراء في المجال البيئي، من بينهم المهندس البيئي حمدي حشاد، فإن ما حدث يعود أساساً إلى تغيّر في التيارات البحرية تزامن مع ارتفاع ملحوظ في قوة الأمواج نتيجة العواصف الأخيرة، وهو ما ضاعف من طاقة البحر وضغطه على السواحل الرملية الهشة. هذه العوامل الطبيعية ترافقت كذلك مع تأثيرات أوسع نطاقاً مرتبطة بالتغيرات المناخية، وعلى رأسها الارتفاع التدريجي في مستوى سطح البحر، ما جعل الشريط الساحلي أكثر عرضة للانجراف وأسرع استجابة لتقلبات الطقس البحرية.
ورغم أن ظاهرة الانجراف الساحلي ليست جديدة في تونس، إذ تشير المعطيات إلى أن أكثر من 35 بالمائة من الشواطئ التونسية تعاني منذ سنوات من تراجع مستمر، فإن ما يميز الوضع في “كوكو بيتش” هو نسقه السريع الذي جعل التغير يبدو مفاجئاً للمتابعين والسكان على حد سواء. فبينما يحدث التآكل عادة على مدى زمني أطول، جاءت هذه التحولات خلال فترة قصيرة جداً، الأمر الذي لفت الانتباه إلى هشاشة بعض المقاطع الساحلية أمام الظواهر الجوية المتطرفة.
في السياق ذاته، أظهرت صور فضائية حديثة انجرافاً لافتاً طال جزيرة قوريا بالمنستير، حيث أكد الخبير حمدي حشاد أن الجزيرة تعيش اليوم على وقع تحوّل واضح في شكلها ومساحتها عقب العواصف المتوسطية الأخيرة. ووفق الأرقام التي قدمها، كانت مساحة الجزيرة في سبتمبر 2015 في حدود 55 هكتاراً، لكنها تراجعت إلى 51 هكتاراً في ديسمبر 2025، ثم انخفضت أكثر لتبلغ 49 هكتاراً يوم 13 فيفري 2026. وبذلك تكون الجزيرة قد فقدت نحو 6 هكتارات خلال عشر سنوات، غير أن المعطى الأكثر إثارة للانتباه يتمثل في أن حوالي هكتارين من هذه المساحة ضاعا في فترة قصيرة جداً لا تتجاوز أسابيع، وهو ما يعكس تسارعاً واضحاً في نسق التآكل.
وأوضح حشاد أن هذا التراجع لا يمكن إرجاعه إلى عامل منفرد، بل هو نتيجة تراكم ديناميكية بحرية قوية، حيث رفعت العواصف الأخيرة من طاقة الأمواج وخلقت ضغطاً مباشراً على السواحل الرملية الهشة، بالتزامن مع تسجيل ارتفاع مؤقت في مستوى البحر أثناء العاصفة، ما سمح للمياه بالتوغل داخل الأجزاء المنخفضة وإعادة تشكيل الخط الساحلي. وأكد أن مثل هذا النوع من التعرية يكون أسرع عندما تكون التربة رملية والغطاء النباتي محدوداً، كما هو الحال في الجزر الصغيرة المفتوحة مباشرة على البحر.
جزيرة قوريا الصغرى، وفق ما شدد عليه الخبير، ليست مجرد مساحة تتقلص في الأرقام، بل تمثل نظاماً بيئياً حساساً ومحمية بحرية ومأوى لطيور بحرية ونباتات متكيفة مع الملوحة، وأي تغير في شكلها ينعكس مباشرة على التوازن البيئي المحلي. كما أن ما خسرته الجزيرة في شهر تقريباً يعادل جزءاً مهماً مما فقدته خلال عقد كامل، وهو مؤشر على أن الظواهر الجوية المتطرفة أصبحت أكثر تأثيراً على السواحل. ويضيف أن البحر يقوم بدوره الطبيعي في إعادة رسم حدوده وفق طاقة الأمواج والتيارات، غير أن الارتفاع العالمي في مستوى سطح البحر، الذي يقدر بمعدل يقارب 4 إلى 6 مليمترات سنوياً، يجعل الجزر الصغيرة في مقدمة المناطق الأكثر عرضة للتراجع.
ما يجري في قوريا الصغرى، بحسب التقديرات، يمثل صورة مكبرة لما يمكن أن تشهده بقية السواحل التونسية إذا لم تتم متابعة هذه التغيرات برصد علمي دقيق واعتماد حلول قائمة على الطبيعة من شأنها حماية الخط الساحلي وتعزيز قدرته على التكيّف مع التحولات المناخية والبحرية المتسارعة.