
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - سُجّل خلال الأيام القليلة الماضية ارتفاع لافت في مستوى مياه البحر بعدد من المدن التونسية، خاصة بالعاصمة ومناطقها الساحلية، حيث تقدمت المياه نحو الشوارع والطرقات الرئيسية، وتزايد منسوبها داخل الموانئ، بالتوازي مع تقارير تتحدث عن تآكل في بعض الشواطئ. هذا الوضع الميداني انعكس مباشرة على نسق الحياة اليومية في المناطق المتضررة، إذ أُغلقت محال تجارية وتعرقلت حركة النقل، وسط مخاوف متصاعدة من تأثيرات أوسع على الشريط الساحلي.
المعطيات المسجلة تشير إلى إمكانية ارتفاع محلي في مستوى المياه يتراوح بين نصف متر ومتر واحد نتيجة قوة الأمواج، فيما ساهمت الأمطار الغزيرة التي شهدتها جهات من الشمال والوسط في تشكل فيضانات محلية زادت من تعقيد المشهد، خاصة مع صعوبة تصريف المياه في عدد من النقاط الحضرية الساحلية. وتداخلت مياه الأمطار مع مياه البحر المتقدمة، ما عمّق من حالة الغمر في بعض المناطق المنخفضة.
ووفق تفسيرات خبراء في المجال البيئي والمناخي، فإن ما يحدث لا يرتبط فقط بالتغير المناخي طويل الأمد مثل ذوبان الجليد في القطبين، بل يعود أساساً إلى ظرف جوي وبحري مؤقت نتج عن تفاعل جملة من العوامل المتزامنة. فمنذ 12 فيفري، عرف البحر الأبيض المتوسط منخفضات جوية قوية تميزت بانخفاض ملحوظ في الضغط الجوي، رافقتها رياح تجاوزت سرعتها 100 إلى 120 كيلومتراً في الساعة، مع تسجيل هبات بلغت أحياناً 140 كيلومتراً في الساعة في غرب المتوسط. هذه الرياح القوية دفعت كميات هامة من المياه نحو السواحل المنخفضة، ما تسبب في ارتفاع مؤقت لمستوى البحر قد يصل في بعض المناطق إلى ما بين نصف متر ومترين.
كما بلغت علوّ الأمواج عدة أمتار في المساحات البحرية الفاصلة بين تونس وفرنسا، خاصة قرب سردينيا وكورسيكا، وهو ما جعل السواحل الشمالية والشرقية أكثر عرضة للغمر. ويعود ذلك إلى تفاعل الرياح القوية مع التيارات البحرية، في ظل نشاط لافت للتيار النفاث الذي وصلت سرعته إلى 130 عقدة، أي ما يعادل نحو 240 كيلومتراً في الساعة. وتُعرف هذه الحالة بظاهرة “الأمواج الريحية”، حيث تتراكم طاقة الرياح لساعات طويلة فوق سطح البحر، لتتحول عند اصطدامها بالسواحل إلى موجات مرتفعة ترفع منسوب المياه بشكل ملحوظ.
في الأثناء، ساهمت التساقطات المطرية المعتبرة، والتي كانت محلياً غزيرة في الشمال والوسط، في تفاقم الوضع، خاصة مع انخفاض درجات الحرارة نتيجة تأثير كتلة هوائية باردة. هذا التزامن بين الأمطار وزحف البحر خلق وضعاً معقداً، إذ وجدت شبكات تصريف المياه في عدد من المدن الساحلية نفسها عاجزة عن استيعاب الكميات المتدفقة بسرعة كافية، ما أدى إلى استمرار تجمع المياه في الطرقات والمناطق المنخفضة.
ولا يغيب عن المشهد العامل البشري، إذ يرى مختصون أن عمليات الردم السابقة لبعض الأراضي الساحلية، وتحويل بحيرات إلى أراضٍ معدّة للبناء، زادت من هشاشة هذه المناطق. فالمنخفضات الساحلية، مثل تونس البحرية، أصبحت قريبة جداً من مستوى سطح البحر، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بأي ارتفاع ولو كان مؤقتاً في منسوب المياه.
أما على المدى الطويل، فيشير الخبراء إلى أن التغير المناخي يساهم في رفع وتيرة تكرار مثل هذه الأحداث بنسبة تتراوح بين 20 و30 بالمائة، في ظل الارتفاع العام لمستوى سطح البحر عالمياً بمعدل يقدّر بين 3 و5 مليمترات سنوياً. هذا الارتفاع التدريجي يجعل السواحل أكثر هشاشة أمام الاضطرابات الجوية القوية، غير أن المختصين يؤكدون أن الحدث الحالي يبقى في جوهره ظرفاً جوياً وبحرياً مؤقتاً، ولا يعكس ارتفاعاً دائماً في مستوى البحر.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير البيئي حمدي حشاد أن هذه الظاهرة لم تعد استثنائية كما في السابق، بل باتت تتكرر نتيجة تلاقي عوامل جوية وبحرية في فترات متقاربة، مشدداً على أن المناطق الساحلية المنخفضة تواجه هشاشة متزايدة، ما يستوجب تحسين منظومات تصريف المياه وتعزيز آليات حماية الشواطئ لتفادي انعكاسات قد تكون خطيرة مستقبلاً.
من جهتها، أعلنت وزارة البيئة عن إطلاق مشروع “الحزام الساحلي 2026” الهادف إلى حماية الشواطئ من التآكل، مع التركيز على الفئات السكانية المقيمة بالمناطق الساحلية، والتي تمثل نحو 15 بالمائة من السكان المهددين بشكل مباشر بهذه الظواهر، في إطار مقاربة استباقية تسعى إلى الحد من المخاطر وتعزيز قدرة السواحل على الصمود أمام التقلبات المناخية والبحرية.