
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - يعيش الشارع التونسي على وقع انتظار متواصل لصدور الأمر الحكومي المتعلق بالترفيع في الأجور، في ظل أوضاع اجتماعية ضاغطة تتسم بتراجع متواصل في القدرة الشرائية وارتفاع ملحوظ في أسعار السلع والخدمات الأساسية، وهو ما زاد من ثقل الأعباء المعيشية على فئات واسعة من الأجراء والمتقاعدين. ويأتي هذا الترقب في وقت يمر فيه الاتحاد العام التونسي للشغل بمرحلة داخلية صعبة بسبب خلافات تنظيمية أثّرت على حضوره التقليدي في مسار التفاوض والدفاع عن المطالب المهنية والاجتماعية، وهو الدور الذي ظل لعقود أحد أبرز عناوين المشهد النقابي في البلاد.
الإطار القانوني لهذه الزيادات تحدد ضمن قانون موازنة السنة الجارية الذي دخل حيّز التطبيق مع بداية شهر جانفي، حيث نصّ على اعتماد زيادات سنوية في أجور العاملين في القطاعين الحكومي والخاص، إضافة إلى جرايات المتقاعدين، على أن تتواصل هذه التعديلات بصفة دورية إلى غاية سنة 2028، في محاولة لإرساء مسار تدريجي لتحسين الدخل ومواكبة التحولات الاقتصادية.
ويأمل الموظفون والأجراء أن تكون الزيادات المرتقبة قادرة على تعويض جزء من الخسائر التي تكبدوها بفعل التضخم وتآكل قيمة الرواتب خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد أن أخفق البرلمان في تمرير مقترح كان ينص على إدراج نسبة دنيا لا تقل عن 7 بالمائة ضمن قانون الموازنة. هذا التعثر عمّق حالة القلق لدى الكثيرين ممن يعتبرون أن أي نسبة أقل من ذلك قد لا تكون كافية لإحداث فارق ملموس في حياتهم اليومية.
وفي قراءة لتوجهات المرحلة المقبلة، قدّر خبير السياسات الاجتماعية بدر الدين السماوي أن الزيادات المنتظرة خلال السنة الحالية والسنتين اللاحقتين يفترض ألا تقل عن مستوى التضخم المسجل حالياً، والذي يناهز 5.3 بالمائة، معتبراً أن ربط الأجور بمؤشرات الأسعار يظل خطوة ضرورية للحفاظ على الحد الأدنى من التوازن بين الدخل وكلفة العيش.
غير أن آراء أخرى تشير إلى إمكانية أن تكون الزيادات في الوظيفة العمومية أكثر تحفظاً، إذ قد لا تتجاوز في بعض التقديرات سقف 4 بالمائة، فضلاً عن أن الترفيعات لن تعتمد صيغة موحدة بين القطاعين العام والخاص، بل ستوزع وفق مقاربة تفاضلية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل نشاط وظروفه الاقتصادية والمالية.
وبحسب التوقعات نفسها، قد يتم صرف الزيادات بداية من شهر مارس المقبل، وذلك بعد استكمال ترتيبات التمويل من جهة الدولة والتوصل إلى تفاهمات مع المنظمة الممثلة لأصحاب المؤسسات في القطاع الخاص من جهة أخرى، بما يسمح بتطبيق الإجراءات الجديدة دون إرباك التوازنات القائمة.
في المقابل، تبدي الحكومة قدراً كبيراً من التحفظ في إدارة هذا الملف، مؤكدة أن أي قرار يتعلق بالترفيع في الأجور يجب أن يراعي الإمكانات المتاحة ووضعية المالية العمومية، لا سيما وأن كتلة الأجور تمثل أحد أكبر عناصر الإنفاق في ميزانية الدولة. وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن هامش المناورة أمام السلطات يبقى ضيقاً بسبب الالتزامات الداخلية والخارجية، وصعوبة توفير موارد إضافية دون تعميق العجز أو اللجوء إلى مزيد من الاستدانة.
ويخلص بعض المتابعين، ومنهم السماوي، إلى أن تحسين مستوى عيش الموظفين لا يمر حصراً عبر الزيادة النقدية في الرواتب، بل يمكن دعمه أيضاً بتطوير جودة الخدمات العمومية الأساسية، خاصة في مجالي النقل والصحة، إذ من شأن تخفيف كلفة هذه الخدمات أن يقلص مصاريف الأسر ويحد من لجوئها إلى البدائل الخاصة ذات الكلفة المرتفعة، وهو ما قد يحقق أثراً اجتماعياً موازياً لا يقل أهمية عن الترفيع المباشر في الأجور.