
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - أثار قرار إيقاف الطبيبة التي امتنعت عن إسعاف امرأة مسنّة بمستشفى حيّ التضامن عن العمل، مع إحالتها على مجلس التأديب، موجة واسعة من الجدل والنقاش في الأوساط الصحية والرأي العام، خاصة بعد تبريرها موقفها بشعورها بالبرد ورفضها مباشرة العمل إلى حين قيام إدارة المستشفى بإصلاح السخان المعطّل. الواقعة التي وثّقها مقطع فيديو وانتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّلت من مسألة داخل مؤسسة صحية إلى قضية رأي عام، تداخل فيها الغضب الشعبي مع أسئلة أعمق حول واقع الصحة العمومية في البلاد.
وفي تعليقه على الموضوع، اعتبر المحامي منير بن صالحة أن ما كُشف عنه في هذه القضية لا يمكن اختزاله في تصرّف فردي أو في مشهد مصوّر لا تتجاوز مدته بضع ثوانٍ، مؤكّدًا أن الواقعة أعادت إلى الواجهة حجم الأزمة الحقيقية، الهيكلية والمعقّدة، التي تعيشها منظومة الصحة العمومية في تونس منذ سنوات. وبيّن أن الخطأ في التواصل من قبل الطبيبة ثابت ولا يمكن إنكاره، غير أن تحميلها وحدها مسؤولية إخفاقات منظومة كاملة، وتحويلها إلى هدف لحملات تشويه وتنمّر على الفضاء الافتراضي، يمثّل انحرافًا خطيرًا عن المسار السليم للمحاسبة.
وأوضح بن صالحة أن المحاسبة يجب أن تتم عبر الأطر القانونية والمؤسسات المختصة، وفي مقدّمتها مجلس التأديب، بعد استكمال التحقيقات وسماع جميع الأطراف، لا من خلال ما وصفه بـ“المحاكم الافتراضية” التي تُصدر أحكامها تحت ضغط الانفعال والغضب الجماعي. وأضاف أن واقع الصحة العمومية اليوم يعكس أزمة عميقة لا ينكرها أحد، وهو ما يفسّر، بحسب قوله، إدراج رئيس الجمهورية لهذا القطاع ضمن أولوياته القصوى، من خلال اجتماعات دورية، تكاد تكون أسبوعية، مع المسؤولين عن الشأن الصحي، بحثًا عن حلول جذرية تشمل البنية التحتية، والتجهيزات، والموارد البشرية، وتحسين ظروف العمل بما يضمن كرامة المواطن والإطار الطبي في آن واحد.
واعتبر أن هذا الاهتمام الرسمي المتواصل يُعدّ اعترافًا واضحًا بأن الإشكال أوسع من شخص واحد وأكبر من واقعة معزولة، مشددًا في السياق ذاته على جملة من النقاط القانونية التي غالبًا ما يتم تجاهلها في خضم الجدل. وأبرز أن تصوير الإطارات الطبية داخل المستشفيات ونشر الصور أو الفيديوهات دون إذن صريح منهم يُعدّ خرقًا للقانون عدد 63 لسنة 2004 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، وهو ما قد يعرّض القائمين بذلك إلى التتبعات الجزائية. كما شدّد على أن المستشفى مرفق عمومي خُصّص لتقديم العلاج والرعاية، وليس فضاءً للتشهير أو لتصفية الحسابات أو حصد الإعجابات على منصات التواصل.
كما عبّر بن صالحة عن استغرابه مما وصفه بحالات التنمّر والتشويه و“الركوب على الأحداث”، حتى من بعض المنتمين إلى القطاع الصحي نفسه، معتبرًا أن هذا السلوك لا يخدم مصلحة المريض ولا يساهم في إصلاح المنظومة. وأكد أن النقد البناء له قنواته ومؤسساته، وأن الإصلاح الحقيقي لا يتم عبر التحريض أو المقارنات الشعبوية، بل عبر سياسات واضحة وإرادة إصلاحية شاملة.
وختم المحامي تصريحه بالتأكيد على أن الصحة العمومية تعيش أزمة حقيقية، والدولة تعترف بذلك وتسعى إلى معالجتها، وأن الأخطاء الفردية يجب أن تُحاسَب وفق القانون، دون تردّد. لكنه شدّد في المقابل على أن السحل الإلكتروني، والتعميم، وشيطنة الطبيب التونسي، لن تُصلح قطاعًا ولن تُنقذ مريضًا، مذكّرًا بأن الطبيب التونسي يعمل في ظروف قاسية وصعبة، ورغم ذلك يواصل أداء واجبه، ويبقى جزءًا من الحل لا كبش فداء يُلقى عليه عبء إخفاقات منظومة كاملة.