القائمة الرئيسية

الصفحات

شاهد الفيديو / أطباء يوضحون ما ستواجهه زميلتهم التي امتنعت عن علاج سيدة مسنة بمستشفى حي التضامن بذريعة البرد / Video Streaming


أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - أثار مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع خلال الساعات الماضية موجة من الغضب والاستياء، بعد توثيقه لواقعة امتناع طبيبة عن إسعاف امرأة مسنّة داخل مستشفى حيّ التضامن، وهو ما دفع الجهات المعنية إلى اتخاذ قرار فوري بإيقاف الطبيبة عن العمل مع إحالتها على مجلس التأديب. وقد برّرت الطبيبة موقفها بشعورها بالبرد داخل فضاء العمل، ورفضها مواصلة النشاط إلى حين قيام إدارة المستشفى بإصلاح جهاز التسخين المعطّل، وهو تعليل لم يشفع لها أمام خطورة الموقف وحساسيته، خاصة وأن الأمر يتعلق بمريضة في وضعية صحية تستوجب التدخل.

وتفاعلاً مع هذه الواقعة، قدّم عدد من الأطباء قراءات مختلفة لما جرى، في محاولة لفهم أبعاد الموضوع بعيداً عن منطق الإدانة السطحية فقط. وفي هذا السياق، اعتبر الطبيب حاتم الغزال أن المشهد، رغم صدمته الأولى، لا يمكن عزله عن السياق العام الذي تعيشه المؤسسات الصحية العمومية، مؤكداً أن المستشفى، شأنه شأن بقية المرافق العمومية، يعاني نقصاً حاداً في التجهيزات ووسائل العمل، إضافة إلى بيئة مهنية متوترة وغير سليمة. وبيّن أن هذه الظروف المادية والمعنوية القاسية تنعكس سلباً على جميع الأطراف، سواء المواطن الذي يقصد المؤسسة طلباً للخدمة أو الموظف المفترض أن يكون في موقع تقديمها، لتتحول العلاقة بينهما من علاقة خدمية إلى علاقة مشحونة بالصدام والتوتر، يكون ضحيتها الطرفان معاً.

وشدّد الغزال في المقابل على أن ترك المواطن دون خدمة في قاعة الانتظار، سواء داخل المستشفى أو في البلدية أو البريد أو غيرها من المؤسسات العمومية، يبقى أمراً مرفوضاً وغير قابل للتبرير مهما كانت الظروف، مؤكداً أن المواطن ليس مسؤولاً عن إخفاقات المنظومة، ومن حقه الحصول على الخدمة في كنف الاحترام. واعتبر أن الطبيبة في هذه الواقعة مذنبة دون شك، تماماً كما هو حال موظفين آخرين سبق أن ظهرت لهم تسجيلات وهم يرفضون إسداء الخدمات في قطاعات مختلفة، إلا أن هؤلاء، بحسب تعبيره، ليسوا سوى “شماعة” يُعلّق عليها فشل منظومة كاملة. وخلص إلى أن التركيز يجب أن ينصبّ على الحلول الجذرية لا على البحث الدائم عن مذنب، مؤكداً أن إصلاح النظام الصحي لا يتم عبر فيديوهات تُشعل حملات سبّ وشتم، بل عبر إرادة حقيقية وإدارة ذكية قادرة على تحسين بيئة العمل وتحفيز الموظف حتى يؤدي مهامه وهو يشعر بالرضا لا بالإحباط قبل أن يلتقي أول مواطن.

من جهته، عبّر الطبيب ذاكر لهيذب عن شعور عميق بالتقزز إزاء ما اعتبره تعاملاً غير مهني وغير إنساني من الفريق الطبي وشبه الطبي مع المريضة، مبرزاً أن التعلل بعدم توفر التدفئة لا يمكن أن يبرر ما حدث. وأكد أن مثل هذه الوقائع ما كانت لتحدث لو توفرت منظومة رقابة حقيقية داخل المؤسسات الصحية، تبدأ من مراقبة الناظر لعمل الممرضين، وتمرّ عبر رئيس القسم المشرف على الأطباء، وصولاً إلى دور مدير المستشفى، ثم المدير الجهوي المشرف على المستشفيات والمستوصفات. واعتبر أن الإنسان ليس ملاكاً بطبعه، ولذلك يحتاج إلى رقابة، بل إلى “مراقبة المراقبة” أيضاً، مشيراً إلى أن فشل هذه السلسلة الرقابية بأكملها هو ما يجعل المريض الخاسر الأكبر في نهاية المطاف. وأضاف في تنويه واضح أن لا مجال للحديث عن “قطاعية” في الطب، فالمذنب يجب أن يُسمّى مذنباً دون مواربة.

أما الطبيب مراد الفرشيشي، فقد ذهب إلى موقف أكثر تشدداً، معتبراً أن ما أقدمت عليه الطبيبة يستوجب تسليط عقوبات صارمة، لما في ذلك من إساءة مباشرة لسمعة المهنة. وشبّه الفرشيشي الطبيب بالجندي، مؤكداً أنه لا يمكنه التوقف عن أداء واجبه أو تعليق عمله تحت أي ذريعة، نظراً لحساسية المهنة وخطورة نتائج التقصير فيها. وبيّن أن الطبيب ملزم أخلاقياً ومهنياً بالقيام بواجبه مهما كانت ظروف العمل أو حتى الظروف الطبيعية المحيطة، لأن صحة الإنسان لا تحتمل الانتظار أو المساومة.

وتبقى هذه الواقعة، بما أثارته من ردود فعل، دليلاً جديداً على عمق الأزمة التي يعيشها القطاع الصحي العمومي، حيث تتقاطع هشاشة البنية التحتية مع ضعف الحوكمة والرقابة، فيدفع المواطن ثمن اختلالات لا يد له فيها، بينما يجد الإطار الطبي نفسه، في أحيان كثيرة، عالقاً بين ضغط الواقع ومتطلبات الواجب.

الفيديو: