
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - في ظل تزايد الحديث عن فيروس «كا» سريع الانتشار، تتجه الأنظار في تونس إلى تطورات الوضع الوبائي وما يرافقه من مخاوف لدى المواطنين، خاصة مع تسجيل عدد كبير من الإصابات التي تُجبر المصابين على ملازمة الفراش لأيام طويلة. وفي هذا السياق، قدّم الأستاذ في علم الفيروسات الدكتور محجوب العوني جملة من التوضيحات العلمية الدقيقة حول طبيعة هذا الفيروس، مصدره، خطورته، وسبل الوقاية منه.
وأوضح الدكتور العوني أن ما يُعرف إعلاميًا بفيروس «كا» ليس فيروسًا جديدًا يظهر لأول مرة، بل هو في الحقيقة طفرة جينية طرأت على أحد فيروسات الإنفلونزا الموسمية المعروفة، وتحديدًا من عائلة الإنفلونزا «أ» (Influenza A)، وهي عائلة لها أهمية وبائية كبيرة وتظهر سنويًا خاصة مع بداية الخريف وخلال فصل الشتاء. وأضاف أن هذه الطفرة غيّرت من الخصائص البيولوجية للفيروس، ومنحتْه قدرة أعلى على الانتشار وسرعة في العدوى مقارنة ببقية الفيروسات الشقيقة من نفس العائلة.
وبيّن أن هذه السلالة المتحورة أصبحت حاليًا السلالة المسيطرة عالميًا، خاصة في أوروبا، حيث بلغت ذروة الإصابات في بعض الدول مثل فرنسا قبل أن تبدأ في التراجع تدريجيًا، في حين ما تزال في دول أخرى في مرحلة تصاعد. وأكد أن جميع الفئات العمرية معنية بالإصابة، وهو ما يفسر العدد الكبير من الحالات المسجلة وانتشار العدوى داخل العائلات والمدارس والمؤسسات.
وفي ما يتعلق بالمناعة، أشار الدكتور إلى أن الفيروس يتميز بقدرته على تجاوز جزء من المناعة المكتسبة سابقًا، سواء عبر الإصابات السابقة أو التلقيح الموسمي، نظرًا للتغيرات الجينية التي طرأت عليه. ورغم ذلك، شدّد على أن التلقيح يبقى ذا فاعلية مهمة، إذ يساهم بشكل كبير في التقليل من حدة الأعراض وخطورة المضاعفات، ويحدّ من اللجوء إلى الإنعاش والعناية المركزة، خاصة لدى الفئات الهشة مثل كبار السن، أصحاب الأمراض المزمنة، من يعانون من نقص المناعة، النساء الحوامل، والأطفال الصغار.
أما عن تطور المرض، فأوضح أن فترة الحضانة تتراوح غالبًا بين يومين، لتبدأ بعدها الأعراض في الظهور، وتتمثل أساسًا في ارتفاع الحرارة، آلام الرأس، الإرهاق الشديد، ثم السعال الذي قد يتطور لاحقًا ليصبح أكثر حدة. وفي الحالات العادية، ومع توفر مناعة جيدة، تتراجع الأعراض في حدود خمسة أيام، غير أن الشعور بالتعب قد يستمر لفترة أطول.
وبخصوص العلاج، أكد الدكتور العوني أنه لا يوجد إلى حدّ الآن دواء مضاد مباشر لهذا الفيروس، ويقتصر التعامل معه على العلاج العرضي، مثل خافضات الحرارة، الراحة، وتجنب الإجهاد، مع التشديد على ضرورة عدم استعمال المضادات الحيوية، لأنها لا تفيد في الإصابات الفيروسية وقد تساهم في خلق بكتيريا مقاومة، وهو ما يمثل خطرًا صحيًا إضافيًا.
كما تطرق إلى تأثير الفيروس على الأطفال، موضحًا أن هذا الموسم يشهد أيضًا انتشار فيروسات تنفسية أخرى معروفة بتسببها في التهاب القصيبات (Bronchiolite) لدى الرضع، ومع ذلك يمكن لفيروس «كا» أن يصيب الأطفال أيضًا، وقد تكون بعض الحالات أكثر تأثرًا، ما يستوجب المتابعة الطبية عند تفاقم الأعراض.
وفي ختام حديثه، دعا الدكتور محجوب العوني إلى الالتزام بإجراءات الوقاية التي أثبتت نجاعتها سابقًا، مثل ارتداء الكمامات خاصة عند الإصابة، غسل اليدين بانتظام، احترام التباعد الجسدي، تهوئة الأماكن المغلقة، والحد من المخالطة، مؤكدًا أن هذه الإجراءات، رغم بساطتها، تبقى أساسية للحد من انتشار العدوى وحماية الفئات الأكثر عرضة للإصابة.
وأكد أن الهدف الأساسي من كل هذه التدابير هو قطع سلسلة انتقال الفيروس بين الإنسان والإنسان، داعيًا الجميع إلى التحلي بالوعي والمسؤولية الجماعية من أجل تجاوز هذه المرحلة بأقل الأضرار الممكنة، متمنيًا السلامة والصحة لجميع التونسيين.