هل وقع الإعداد الجيد تشريعيا لهذه المرحلة المهمة في مؤسسة الديمقراطية من طرف السلطة التشريعية أي مجلس نواب الشعب ؟ و هل وقع دراسة الوصفة الوظيفية التحسيسية و التوعوية اللازمة الموجهة للمواطن ليكون ناخبا فاعلا من طرف سلطة الإشراف على الإنتخابات والمؤسسات الوطنية المعنية بذلك ؟ وهل فعلا سنحقق معا مواطنون و أحزاب و سلطة تشريعية و تنفيذية الهدف الأساسي من الإنتخابات البلدية وهو الديمقراطية المحلية؟
لكي نحاول الإجابة على الأسئلة المطروحة إجابة صحيحة و موضوعية يجب أن نستمد المعطيات الخاصة بكل إجراءات التي وقع إتخاذها فيما يخص الإنتخابات البلدية في كل المراحل السابقة و إلى حد اليوم أيام قليلة قبل نهاية فترة تسجيل الناخبين.
سننطلق بتاريخ اجراء التصويت ، هذا التاريخ الذي تأجل العديد من المرات و بقي مدة طويلة رهين الحسابات و المحاصصات و التجاذبات الحزبية التي تسببت في إمتعاض لدى الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات لمسائل تقنية بحتة و الرأي العام تجاه مكونات السلطة التشريعية على مستوى التعامل مع مشروع قانوني الإنتخابات البلدية و مجلة الجماعة المحلية ، و بعد كل ذلك وقع الإتفاق نهائيا على تاريخ الحدث المذكور وهو 17 ديسمبر 2017 و لكن الجدير بالملاحظة و التساؤل هو أن الإنتخابات البلدية سوف تقام بلا مجلة جماعة محلية يعني ستترشح القائمات و سوف يختار الناخب من يراه مناسبة بلا مجلة محلية أي بلا أرضية تشريعية بينما طالب العديد من الجمعيات و الخبراء بالمصادقة على قانون مجلة الجماعة المحلية قبل قانون الإتنخابات البلدية نفسه و ذلك لقيمته التشريعية.
نمر إلى مرحلة موالية و هي مرحلة تسجيل الإنتخابات ، الملاحظ و ما يقال في مختلف وسائل الإعلام أن هناك نسبة عزوف على تسجيل المواطنين للتصويت بطريقة جالبة للإنتباه و طارحة للتساؤل و إذا حاولنا أن نفهم ذلك فيتبين لنا إذا عرف السبب بطل العجب ، السبب هو أزمة الثقة التي أنجتها منطقيا العجز الفادح لكل من السلطات الثلاث في حوكمة رشيدة تنفع البلاد و العباد إجتماعيا و إقتصاديا أساسا و العجب هو إستقالة المواطن في المساهمة في رسم ديمقراطية محلية يمكن أن توفر له جودة مقبولة في الخدمات البلدية وبطريقة مبسطة المساهمة في قطع الطريق على الفاسدين لكي لا يتحملون مسؤولية الشأن العام بداية من السلطة المحلية . وكان من المفروض و المنتظر أن تستعد جيدا كل المؤسسات و الهيئات والأطراف المعنية بمسار الإنتخابات البلدية من التشريع إلى عملية التصويت و النتائج و ما يهمنا في هذه المرحلة هو العملية التحسيسية و التوعوية فمثلا لم نرى برامج و منابر حوار على القنوات التلفزية خاصة العمومية تحسس بقيمة و تداعيات الإنتخابات البلدية ، فلم نرى تظاهرات و أنشطة ثقافية يقدمها المجتمع المدني في المساحات الكبرى و الشوارع الرئيسية للمدن توعية بأهمية المحطة الإنتخابية ، ما وقع ملاحظته في هذا الإطار، وقع الإكتفاء بومضات تحسيسية كلاسيكية روتينية و أغلب مكاتب التسجيل في الفضاءات المغلقة داخل مؤسسات ادارية ينشغل فيها المواطن بقضاء شؤون مستعجلة . وبهذا الشكل في إعتقادي لا تتحقق النجاعة المطلوبة لتسجيل أكبر عدد ممكن من الناخبيين في الإنتخابات البلدية.
أما على مستوى النظام الإنتخابي المعتمد وهو نظام القائمات و فالمواطن الناخب سيصوت للأحزاب و ليس للأشخاص لأن التجارب الإنتخابية السابقة في المجلس الوطني التأسيسي و مجلس نواب الشعب أثبتت أن العديد من الكفاءات في الإقتصاد و القانون و السياسة لم تترشح أو ترشحت و لم تنجح بسبب نظام القائمات بطريقة غير مباشرة لأنها إما لم يقع ترشيحها من قبل الأحزاب أو ترشحت في قائمات مستقلة ليست لها دعم مثل دعم الأحزاب ، فالأحزاب الآن بصدد إعداد قائماتها للترشح و الظفر بنصيبها في السلطة المحلية بينما يوجد العديد من الكفاءات في مختلف المجالات الغير المتحزبة تريد الترشح بصفة فردية دون الدخول في قائمات حزبية أو مستقلة و لكن نظام القائمات يمنعها.
الديمقراطية المحلية ليست في تحديد تاريخ إجراء إنتخابات بلدية و ليست في إجراء عملية التصويت و ليست في إنتاج مجالس بلدية بعد منافسات حزبية سياسوية من أجل السلطة و النفوذ لخدمة مصالح حزبية و شخصية ، الديمقراطية المحلية رؤية ثاقبة و تصور عميق و إستراتيجية تطور و خطة عمل ناجعة من طرف مؤسسات الدولة و وعي و نضج و دراية ومسوؤلية و إدراك من الجميع خاصة من المواطن لحساسية المرحلة التي تعيشها البلاد في هذه الفترة و هذا ما ينتظره الشعب التونسي منذ إنجاز دستور الحمهورية الثانية.
وأختم بما قاله المفكر الفرنسي روسو في هذا السياق : ” رصيد الديمقراطية الحقيقي ليس في صناديق الانتخابات فحسب ، بل في وعي الناس ” .
المصدر: حقائق