
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - يحذّر مختصون وجمعيات معنية من تزايد معاناة المصابين بداء السيلياك في تونس، في ظل ارتفاع عدد الحالات مقابل استمرار وجود نسبة كبيرة من المرضى دون تشخيص. وتشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 100 ألف تونسي يعانون من هذا الاضطراب المناعي الذاتي المزمن الذي يصيب الأمعاء الدقيقة، في حين يبقى نحو 70 بالمائة منهم غير مشخصين، الأمر الذي يؤخر تلقي العلاج المناسب ويزيد من احتمالات التعرض لمضاعفات صحية مختلفة. كما يُعد المرض أكثر انتشاراً في بعض الدول العربية مقارنة بمناطق أخرى، وغالباً ما يتم اكتشافه في مراحل متأخرة.
ويتمثل داء السيلياك في استجابة مناعية غير طبيعية تحدث عند تناول الغلوتين، وهو بروتين يوجد في القمح والشعير والجاودار، إضافة إلى بعض أنواع الشوفان الملوثة. وعند استهلاك هذه المواد، يهاجم الجهاز المناعي بطانة الأمعاء الدقيقة، مما يؤدي إلى تلف الزغابات المعوية المسؤولة عن امتصاص العناصر الغذائية، وهو ما يتسبب في سوء امتصاص الفيتامينات والمعادن والمواد الأساسية التي يحتاجها الجسم، وقد ينعكس ذلك على صحة المريض إذا لم يتم الالتزام بالعلاج المناسب.
وتختلف أعراض المرض من شخص إلى آخر، إذ قد تظهر على شكل اضطرابات هضمية أو أعراض خارج الجهاز الهضمي. ومن بين أبرز العلامات المسجلة الإسهال أو الإمساك، والانتفاخ، والغازات، وآلام البطن، إضافة إلى التعب والإرهاق، وفقدان الوزن، والإصابة بفقر الدم. أما لدى الأطفال، فقد يتسبب المرض في تأخر النمو والإسهال المزمن، بينما قد يعاني بعض المرضى أيضاً من طفح جلدي يعرف بالتهاب الجلد الهربسي الشكل، إلى جانب آلام المفاصل، ومشكلات العظام، والصداع أو الاكتئاب.
ويرجع المختصون أسباب الإصابة بداء السيلياك إلى تداخل عوامل وراثية مع التعرض للغلوتين، حيث يرتبط المرض بوجود جينات معينة مثل HLA-DQ2 وHLA-DQ8، إلى جانب عوامل بيئية أخرى قد تسهم في ظهوره. وحتى الآن، لا يوجد علاج دوائي يقضي على المرض، إذ يبقى الحل الوحيد المعتمد هو الالتزام بنظام غذائي صارم خالٍ من الغلوتين مدى الحياة، بما يسمح للأمعاء بالتعافي ويحد من المضاعفات المحتملة، مثل سوء التغذية، وهشاشة العظام، ومشكلات الخصوبة، وارتفاع خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان.
وفي الجانب الاجتماعي، ينتظر آلاف المصابين تفعيل المساعدة المالية الشهرية المقررة لفائدة العائلات المعوزة ضمن برنامج "أمان الاجتماعي"، والتي تبلغ قيمتها 130 ديناراً بداية من سنة 2026. وتؤكد الجمعية التونسية لمرض السيلياك أنها ما تزال تطالب بصرف هذه المنحة فعلياً، معتبرة أن المرضى يواجهون أعباء مالية متزايدة بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الأغذية الخالية من الغلوتين، والتي تمثل العلاج الأساسي والوحيد للحفاظ على استقرار حالتهم الصحية.
كما تدعو الجمعية إلى إدراج داء السيلياك ضمن قائمة الأمراض المزمنة المشمولة بالتكفل الكامل من قبل الصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام" (APCI)، بما يضمن تغطية أفضل للمنتجات الغذائية الخالية من الغلوتين، إضافة إلى تحسين الرعاية الطبية المخصصة للمصابين بهذا المرض.
وحالياً، لا يشمل نظام التكفل الكامل داء السيلياك، إذ يقتصر تدخل "الكنام" على تغطية الاستشارات الطبية والفحوصات والعلاجات المرتبطة بالمضاعفات الناتجة عن المرض، مثل فقر الدم أو نقص الفيتامينات، وفق نظام التأمين الصحي العادي، في حين لا يحظى النظام الغذائي الخالي من الغلوتين، الذي يمثل العلاج الوحيد للمرض، بأي دعم رسمي.
وأكدت الجمعية أن عدداً من المرضى، وخاصة من أصحاب الدخل المحدود، يجدون أنفسهم مضطرين في بعض الأحيان إلى التوقف عن الالتزام بالحمية الغذائية بسبب صعوبة توفير المنتجات المناسبة أو بسبب أسعارها المرتفعة، وهو ما يزيد من مخاطر التعرض لمضاعفات صحية مرتبطة بسوء التغذية، من بينها فقر الدم وهشاشة العظام، الأمر الذي يدفعها إلى المطالبة بإجراءات عملية تضمن وصول المرضى إلى العلاج الغذائي الضروري وتحسين ظروف التكفل بهم.