
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - لا يزال البيان الصادر عن المؤسسة العسكرية في تونس يحظى باهتمام واسع في الأوساط السياسية والإعلامية رغم مرور عدة أيام على نشره، وذلك بعد أن أكّد تمسّك الجيش بمبدأ الحياد ورفض إدخاله في التجاذبات السياسية الدائرة في البلاد. وقد أثار هذا الموقف تفاعلات متباينة، في وقت يجمع فيه عدد من المحللين على أن مضمون البيان جاء ليغلق الباب أمام الدعوات التي وجّهتها بعض أطراف المعارضة إلى المؤسسة العسكرية من أجل التدخل في المشهد السياسي.
وجاء هذا النقاش عقب تصريحات للرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي الذي دعا، يوم 12 ماي الجاري، الجيش إلى الاضطلاع بما وصفه بـ"الدور التاريخي في حماية سيادة الدولة وكرامتها"، معتبراً أن هذه القيم تواجه تهديداً في ظل السياسات الحالية. كما تحدث المرزوقي، في مقطع فيديو نشره عبر صفحته الرسمية على موقع "فيسبوك"، عن جملة من السيناريوهات التي قال إنها قد تحدد مستقبل البلاد خلال المرحلة المقبلة، من بينها استمرار الرئيس قيس سعيّد في الحكم وتمديد فترة رئاسته عبر ما وصفه بانتخابات غير نزيهة.
وفي المقابل، شدد البيان الصادر عن الجيش على أن المؤسسة العسكرية هي جيش جمهوري يعمل وفق مبادئ الانضباط والالتزام بالقوانين، وتتمثل مهمته الأساسية في الدفاع عن الوطن والحفاظ على استقلاله ووحدة أراضيه، مع احترام كامل لمبدأ الحياد والابتعاد عن الصراعات السياسية والحزبية.
ويرى المحلل السياسي المنذر ثابت أن هذا الموقف يحمل دلالات واضحة، معتبراً أن البيان صدر عملياً عن وزارة الدفاع باعتبارها جزءاً من الجهاز التنفيذي للدولة، وهو ما يجعله تعبيراً عن موقف رسمي يهدف إلى إنهاء النقاشات والتكهنات التي تصاعدت خلال الفترة الماضية بشأن الدور المحتمل للمؤسسة العسكرية في الأزمة السياسية. وأوضح أن بعض الأطراف، سواء داخل المعارضة أو حتى ضمن المساندين للسلطة، تداولت فرضيات متعددة حول إمكانية انخراط الجيش في معالجة التوتر السياسي، غير أن البيان جاء ليضع حداً لهذه التأويلات ويؤكد التزام المؤسسة العسكرية بالمهام التي يحددها الدستور والقوانين المنظمة لعملها.
وأضاف ثابت أن أهمية البيان تكمن في توقيته السياسي، خاصة في ظل كثرة التحليلات والفرضيات التي تم تداولها خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب مواقف ونداءات اعتبرها البعض مستفزة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. واعتبر أن الرسالة التي حملها البيان كانت حاسمة وواضحة في تحديد موقع الجيش داخل الدولة وحدود دوره وفق الإطار الدستوري والقانوني المعمول به.
وتأتي هذه التطورات في سياق استمرار الخلافات السياسية بين المعارضة والسلطة في تونس منذ القرارات التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد وأبرزها حل البرلمان الذي كانت تتمتع فيه حركة النهضة بالأغلبية والنفوذ الأكبر، وهو ما أدى إلى تعمق الانقسام السياسي وتواصل السجالات بين مختلف الأطراف.
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي صهيب المزريقي أن قراءة بيان وزارة الدفاع تقتضي العودة إلى السياق الذي صدر فيه، مشيراً إلى أن الفترة الأخيرة شهدت دعوات من شخصيات معارضة مقيمة خارج تونس، وفي مقدمتها المنصف المرزوقي، تطالب الجيش بالتدخل في الشأن السياسي. ويرى المزريقي أن هذه الدعوات سعت إلى إقحام المؤسسة العسكرية في صراعات حزبية وسياسية لا تندرج ضمن مهامها.
وأكد المزريقي أن البيان حمل رسالة مباشرة وواضحة بشأن استقلالية الجيش وابتعاده عن التجاذبات، مذكراً بالمرتكزات الأساسية التي تقوم عليها عقيدته والمتمثلة في خدمة الوطن وحماية العلم والدفاع عن الأرض، فضلاً عن الالتزام بالقوانين والدستور وتنفيذ الأوامر الصادرة عن التسلسل القيادي العسكري، مع الإشارة إلى أن رئيس الجمهورية يتولى صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة.
واعتبر أن هذا الموقف الرسمي أسهم في حسم الجدل القائم حول دور الجيش، كما أغلق المجال أمام محاولات توظيف المؤسسة العسكرية في النزاعات السياسية الدائرة داخل البلاد. وأضاف أن تاريخ الجيش التونسي منذ الاستقلال اتسم بالابتعاد عن النشاط السياسي والعمل الحزبي، وهو ما جعله يحافظ على موقعه كمؤسسة وطنية تركز على مهامها الدفاعية والأمنية وتبتعد عن الاستقطابات والصراعات السياسية مهما كانت طبيعتها.