
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - في ظل تصاعد التوترات الدولية وارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، تتزايد الضغوط على الاقتصاد التونسي، حيث حذّر الأستاذ الجامعي في الاقتصاد الحبيب زيتونة من تداعيات مباشرة على المالية العمومية، معتبراً أن هذا الوضع يضع الدولة أمام تحديات معقدة تتطلب توازناً دقيقاً في السياسات الاقتصادية والنقدية. وأوضح أن البنك المركزي يجد نفسه أمام خيار صعب في ما يتعلق بنسبة الفائدة، إذ لا يمكن التوجه نحو التخفيض بسبب الضغوط المالية القائمة، كما أن الرفع يظل خياراً حساساً باعتبار أن النسب الحالية تعد من بين الأعلى، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تعبئة موارد تقارب 11 مليار دينار لتسديد ديونها الخارجية.
وفي ما يتعلق بالسياسات الاجتماعية، أشار زيتونة إلى أن الزيادات في الأجور المبرمجة لسنة 2026 أصبحت مسؤولية مباشرة على عاتق الحكومة، خاصة وأنها أقرت دون الدخول في مفاوضات مسبقة، مضيفاً أن تطور أزمة الطاقة، سواء نحو الانفراج أو مزيد التعقيد، سيكون عاملاً حاسماً في تحديد توجهات الزيادات مستقبلاً، وذلك وفق نسق النمو الاقتصادي. كما لفت إلى أن تجاوز النفقات للتقديرات المرسومة يفرض اللجوء إلى إعداد ميزانية تعديلية، مع البحث عن موارد تمويل إضافية سواء من الداخل أو الخارج، خاصة وأن الإطار القانوني الحالي يتضمن زيادات في الأجور والمرتبات وجرايات المتقاعدين تمتد بين سنتي 2026 و2028.
من جهته، اعتبر أستاذ قانون الشغل حافظ العموري أن الأزمة الاقتصادية العالمية قد يكون لها تأثير جزئي على نسب الزيادات في الأجور والجرايات، إلا أن الإجراءات التي تم تضمينها في قانون المالية لسنة 2026 ستبقى سارية، مع مراعاة السياق الاقتصادي العام. كما رجّح استمرار الانتدابات التي نص عليها القانون، رغم إمكانية تأجيل بعض المناظرات إلى سنوات لاحقة تبعاً للضغوط الاقتصادية المتواصلة.
وفي سياق متصل، يحذر عدد من الخبراء من دخول الاقتصاد في حلقة مفرغة، إذ أن صرف الزيادات في الأجور دون السيطرة على التضخم المرتبط بالطاقة قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة، في حين أن تأجيل هذه الزيادات قد يفضي إلى توترات اجتماعية وتراجع في القدرة الشرائية. ويشير هؤلاء إلى أن اعتماد تونس الكبير على واردات الطاقة يجعلها شديدة التأثر بتقلبات الأسعار العالمية، حيث إن كل دولار إضافي يتجاوز الفرضيات المعتمدة في الميزانية يكلف الدولة نحو 160 مليون دينار، فيما يمكن أن تؤدي زيادة قدرها 10 دولارات إلى رفع نسبة التضخم بما يتراوح بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية، وقد يصل التأثير إلى ما بين 1.7 و2.6 بالمائة في حال تفاقم الأزمة.
كما يبرز خطر عودة التضخم بقوة، خاصة في حال اضطرت الدولة إلى الترفيع في أسعار المحروقات أو الكهرباء داخلياً لتقليص العجز الطاقي، وهو خيار وارد في ظل الضغوط الحالية، الأمر الذي قد يطلق موجة ارتفاع عامة في الأسعار. ويؤكد الخبراء أن جزءاً كبيراً من هذا الضغط التضخمي مستورد، لكنه سرعان ما يمتد ليؤثر في التضخم الأساسي، أي باستثناء الغذاء والطاقة، وهو ما قد يدفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية مجدداً عبر رفع نسب الفائدة، بما يثقل كاهل الطبقات الوسطى والضعيفة.
في هذا الإطار، دعا المعهد العربي لرؤساء المؤسسات السلطات التونسية إلى تبني حزمة من الإجراءات العاجلة والإصلاحات الهيكلية للتخفيف من تداعيات الأوضاع الإقليمية والدولية، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على التوازنات المالية. وشدد على ضرورة إحداث خلية يقظة تتولى متابعة تطورات أسعار النفط، خاصة خام برنت، إلى جانب مراقبة تكاليف الشحن وقرارات البنوك المركزية العالمية، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
وأبرزت دراسة صادرة عن المعهد أن تجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل يمثل تهديداً مباشراً للمالية العمومية، خاصة وأن ميزانية سنة 2026 بنيت على فرضية لا تتجاوز 63.3 دولار للبرميل، معتبراً أن كل زيادة بدولار واحد ترفع نفقات الدولة بحوالي 164 مليون دينار إضافية. كما حذّر من تداعيات تراجع قيمة الدينار، مشيراً إلى أن انخفاضه بعشرة مليمات فقط أمام الدولار يؤدي إلى زيادة في نفقات الدعم بنحو 43 مليون دينار، ما يزيد من الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين.
واقترح المعهد في المقابل خارطة طريق لتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود، تقوم على مرحلتين، حيث أوصى على المدى القصير بضرورة تأمين مخزون استراتيجي من المواد الأساسية والمحروقات، وإطلاق برنامج وطني للترشيد في استهلاك الطاقة، إلى جانب دعم صغار الفلاحين لضمان استمرارية الإنتاج المحلي والحد من التضخم المستورد. أما على المدى المتوسط، فقد شدد على أهمية تحقيق السيادة الغذائية والطاقية عبر الاستثمار في قطاع الحبوب وتسريع إنجاز مشاريع الطاقات المتجددة، مع الاستفادة من التمويلات الدولية المرنة، والعمل على تشجيع التونسيين المقيمين بالخارج على توجيه استثماراتهم نحو السندات الوطنية لدعم الاقتصاد.