القائمة الرئيسية

الصفحات

شاهد الفيديو / أين تذهب أموال دافعي الضرائب ؟ / Video Streaming

أين تذهب أموال دافعي الضرائب ؟ سؤال يطرح باستمرار ويردده الكثير من أفراد الشعب التونسي وهو سؤال مقلق لكونه يتعلق بمآل الأموال التي تتحصل عليها الدولة من الضرائب المحمولة على الشعب ويلامس مصير الجباية التي يدفعها المواطن التونسي من منطلق صفة المواطنة التي يتصف بها والتي تفرض عليه دفع آداءات للدولة مقابل حصوله على خدمات يحتاجها وهذا ما يجعل الكثيرين يساءلون أين تذهب أموال الضرائب التي يدفعها المواطن التونسي ؟

يطرح  هذا السؤال بعد أن حصل إجماع واسع بين المهتمين بالشأن الاقتصادي على أن قانون المالية لسنة 2018 هو قانون جبائي بامتياز قد ركز بالكلية على الضرائب وبنى فلسفته على إثقال كاهل المواطن بمزيد من الأداءات سواء بالترفيع في نسب الضرائب الموجودة أو بتوظيف ضرائب جديدة وهو ما جعل البعض يصرّح بأن الدولة التونسية قد أصبحت بعد كثرة الضرائب التي توظفها توصف بكونها دولة مجبى وهي حقيقة أوضحتها الأرقام الصادرة عن مؤشر التنافسية للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي أشار إلى أن تونس تعد من ضمن الدول الأكثر إثقالا لكاهل مواطنيها بالضرائب باحتلالها المرتبة 17 دوليا في ترتيب الدول الأعلى توظيفا للضرائب ومن أكثر الدول التي يوجد بها ضغط جبائي بعد أن بلغت نسبته 22%  خلال سنة 2016 وهي نسبة من أعلى النسب العالمية جراء ارهاق المواطن بكثرة الضرائب.

والإشكال اليوم أنه إذا كان قدر المواطن التونسي أن يرهق بالضرائب وإذا كان وضع البلاد وموارد الدولة تستوجب التعويل في المقام الأول على مساهمات المواطنين حتى تقوم الحكومة بمهامها تجاه الشعب وإذا كانت المقدرات الذاتية للدولة لا تفيء بالحاجة من دون اللجوء الى توظيف أداءات على مواطنيها  وإذا كانت موارد البلاد الطبيعية شحيحة ما يدفع الدولة إلى التعويل بالأساس على الجباية التي توظفها على الشعب .. إذا كان كل ذلك مفهوما ويمكن تقبله فإن السؤال الذي يطرحه كل من يدفع الضرائب هو معرفة أين تذهب هذه الأموال المستخلصة ؟ وماذا يجني المواطن في مقابل دفعه للأداءات؟ وهل تعود الأموال التي تستخلصها الدولة من مواطنيها بالفائدة والنفع العام ؟

في التجارب التي تحترم فيها الدول شعوبها وفي الدول التي تعيش أوضاعا طبيعية وتبني سياساتها على ضرورة تلازم الأمن مع الحرية والحقوق مع الديمقراطية وفي البلدان التي تعي جيدا خطورة الأزمات الاقتصادية على البناء الديمقراطي وتدرك أن المسار الديمقراطي مرهق و مكلف جدا في ضل الصعوبات الاقتصادية .. وفي الحالات التي تخشى فيها القيادات السياسية من تراجع مناخ الحريات وتراجع الحكم الديمقراطي جراء التهديد الذي تمثله الصعوبات الاقتصادية في كل هذه الصور فإن الحكومات تسعى جاهدة لكسب ثقة الشعب وتطمئنه على مصير أمواله المجباة وعلى أن كل أموال الضرائب في طريقها إلى غاياتها .. من المفروض أن يرى المواطن دافع الضريبة أمواله تذهب في تحسين الوضع العام بالبلاد وفي بناء المدارس وفي التهيئة الضرورية من بنية تحتية وجسور وطرقات ووسائل نقل مريحة وتوفير المرافق العامة وتحسين الخدمات .. من المفيد أن يهنأ المواطن على أمواله قد استعملت في وجهتها الصحيحة لضمان العيش الكريم وبأن دولته تصدقه الحقيقة بخصوص مآل أموال الضرائب .

لكن المشكل اليوم في الحالة التونسية هو أن المواطن قد تراجعت ثقته في دولته ولم يعد يصدّق ما يقوله له المسؤول السياسي .. المشكلة اليوم أن دافعي الضرائب لا يرون أموالهم تعود عليهم بالنفع أو توظف لفائدة الصالح العام .. اليوم من يدفع الضريبة لا يجد الخدمات التي ينتظرها و لا يجد الطرقات المعبدة ولا النقل العمومي المريح ولا الخدمات الصحية التي ترتقي إلى المأمول ولا يجد إدارة تقدم له الخدمات من دون مشقة ولا يجد الكثير من أساسيات الحياة والعيش الكريم ولا يجد مقابلا لما دفعه من مال بعنوان الضريبة .. وفي المقابل يجد أن أموال الضرائب قد وظفت في مجالات أخرى واستعملت في خدمة الدين الخارجي و خلاص القروض المتواصلة وتسديد مرتبات وأجور الموظفين وفي إنشاء شركات على شاكلة شركات البستنة والبيئة لتشغيل المحتجين من الشباب العاطل عن العمل في الجهات التي تفتقد لمواطن شغل من دون أن يمارس هؤلاء الشباب عملا حقيقيا بما يعني أن جزء من أموال دافعي الضرائب تصرف في خلاص أجور موظفين في شركات وهمية تستعمل كمسكنات للمطالب الاجتماعية .. اليوم من يدفع الضرائب غير متيقن من أن أمواله ستتجه إلى وجهتها الصحيحة والحقيقية والتي من أجلها فرضت الضريبة.

أمام هذا الواقع المقلق الذي جعل الموظف يشعر أنه مستهدف لوحده بدفع  الضريبة وجعل المواطن الملتزم بدفع الضريبة مثقل بالأداءات ؟ ماذا يمكن أن نفعل حتى نعيد للضريبة دورها الاجتماعي ونسترجع الثقة المفقودة بين المواطن ودولته ؟ ماذا يمكن فعله حتى تذهب أموال دافعي الضرائب في طريقها الصحيح ؟ .. في الحقيقية كل المؤشرات تشير إلى أنه في المنظور القريب ليس هناك من حل حتى يستعيد المواطن مواطنته باستفادته من الضرائب التي يدفعها.                    

نوفل سلامة

                

المصدر: الصريح


TH1NEWS