القائمة الرئيسية

الصفحات

شاهد الفيديو / المشهد السياسي : “ثورة” النساء تؤتي أكلها / Video Streaming

يعرف القاصي والداني أن أكثر من مليون إمرأة إنتخبن الباجي قائد السبسي في السباق إلى قصر قرطاج، إيمانا منهن بأنه إمتداد للزعيم الحبيب بورقيبة محرر المرأة التونسية، وقد وعدهن بمواجهة القوى الظلامية والرجعية التي تهدد مكاسبهن، ولكن بدا وكأن الفارق بين تلك الوعود وما تحقق في هذا المجال شاسع جدا، فأعداء تحرر المرأة واصلوا زحفهم على المشهد السياسي مهددين كل المكاسب التي تحققت على امتداد ستين سنة ، بل فرضوا خياراتهم في الكثير من المواقع ، وخاصة على مستوى الفصل بين الرجال والنساء وتحجيب القاصرات والدفاع عن ارتداء النقاب وتكثيف المدارس القرآنية الخاصة بالإناث من الأطفال ورفض المساواة في الإرث وغيرها من المسائل التي تكرس التراجع عن المكتسبات. 
هذه الوضعية التي تزداد تأزما من يوم إلى آخر أقضت مضاجع النساء وخاصة المناضلات في هذا المجال كما أحبطت المليون إمرأة اللاتي صوتن للباجي قائد السبسي في الإنتخابات الرئاسية. 
ومهما كانت المبررات الموضوعية وغير الموضوعية التي كانت وراء تفشي ظاهرة إستهداف مكاسب المرأة ، وتورط بعض المؤسسات والجهات الرسمية في ذلك، فإن المسألة تتجاوز الباجي قائد السبسي وسلطاته ، ولو أن  بعضهن يلمنه على بناء تحالف مع حركة النهضة ويعتبرنه أساس المشكلة. 
لا شك أن بعض وزراء حكومة الحبيب الصيد ثم حكومة يوسف الشاهد قد تواطؤوا مع دعاة العودة إلى الوراء لأسباب مختلفة بعضها ” عقائدي” والبعض الآخر إنتهازي ، ولم يكن بمقدور رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ردعهم لأن ذلك ليس من مشمولاته بل من مشمولات رئيس الحكومة السابق وخلفه الحالي الذين وجدا نفسيهما بين مطرقة الحداثيين وسندان المحافظين والإسلاميين ، في إطار إئتلاف حاكم جمع بين المتناقضات، كما أن بعض الوزراء وخاصة في قطاعات حساسة جدا  تجاوزتهم الأحداث ولم يتمكنوا من السيطرة على دواليب وزاراتهم ، فٱنتهز الرجعيون هذه الوضعية ونفذوا مخططاتهم لتشهد بعض المعاهد مثلا فصلا بين الذكور والإناث دون رادع مهما كان مأتاه ، ولم تستطع وزارة المرأة إيقاف تنامي المدارس القرآنية التي تفرض الحجاب على الفتيات الصغيرات !كما عجزت وزارة الشؤون الدينية عن السيطرة على المساجد ، وأكبرها وأهمها جامع الزيتونة مازال خارج سيطرتها بٱعتراف الوزير الحالي نفسه ، والأمثلة عديدة ومتنوعة. 
ثارت ثائرة النساء وٱرتفعت إحتجاجات قائدات الحركات النسوية وتوجهت إنتقاداتهم الشديدة إلى الباجي قائد السبسي وحزب نداء تونس الممثل بالعدد الأكبر من الوزراء في حكومة يوسف الشاهد ، وقد إعتبرن ما يحدث تنكرا للوعود بل ” خيانة ” لهن ، بعد أن صوتن بكثافة لقائد السبسي والحزب الذي كان يرأسه ! وعلى إيقاع هذه الإحتجاجات التي تنامت على امتداد الأشهر الأخيرة وتحقيق الإسلاميين لمكاسب جديدة على درب تنفيذ أجنداتهم ، تحولت الإحتجاجات الصامتة إلى تحركات فاعلة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي حتى فاجأ رئيس الجمهورية الجميع بأن رمى بقنبلة صوتية  وذلك بإعلانه بعث لجنة مختصة للنظر في كيفية إيجاد السبل الكفيلة ، شريا وقانونيا ،  بتحقيق المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة ، وهي المطلب الذي عجز الزعيم الحبيب بورقيبة على تحقيقه عندما نصحه شيوخ الإسلام في ذاك العهد وعلى رأسهم الفاضل بن عاشور بعدم ركوب مغامرة خاسرة مسبقا لأن النص القرإني واضح في هذه المسألة وغير خاضع لأي تأويل . 
إن كان هذا الغضب النسائي العارم قد وضع الباجي قائد السبسي في وضعية المرغم على الدفاع عن خياراته وتأكيد تمسكه بوعوده وخاصة في ما يتعلق بالمحافظة على مكاسب المرأة ومزيد تدعيمها، فإنه أربك حلفائه في حركة النهضة الذين عبروا عن تمسكهم الشديد بما جاء في النص القرآني حول هذه المسألة الحساسة . 
إختلفت الآراء حول مبادرة الباجي قائد السبسي بين مؤيد ومعارض ، وجاءت أعمال اللجنة التي تم تكليفها بإيجاد مقترحات لتنفيذ هذه المبادرة لتزيد في تعميق الحلافات ولكن الثابت هو أنها أحدثت رجة قوية في الساحة السياسية وأكدت أن غضب النساء من محاولات المس بمكاسبهن قد أتى أكله ، وتغيرت تبعا لذلك المعادلة ليصبح الصدام معلنا بين الحداثيين والمحافظين ،وهو ما سيؤثر تأثيرا بالغا على الأوضاع في البلاد . 

 
 
 
 
 

المصدر: الصريح


TH1NEWS