نشرت الاعلامية رشا التونسي ورقة من مذكرات شقيقها السجين السياسي تميم الحمادي والتي من المنتظر أن تصدر في كتاب يحمل عنوان “الداموس”. وكان تميم الحمادي حوكم في قضية مؤامرة 1962 أو محاولة الانقلاب ضد بورقيبة التي صدرت فيها أحكام بالإعدام في حق 13 موقوفا ومنهم لزهر الشرايطي والهادي القفصي وصالح حشاني وكبير المحرزي وأحكام بالسجن في حق آخرين ومنهم تميم الحمادي وقدور بن يشرط وغيرهما.
ويذكر أنه تم نقل المتّهين إلى سجن الكرّاكة بغار الملح ثمّ الى سجن برج الرومي ببنزرت. وعاش المسجونون ظروفا سجنيّة قاسية جدّا ومنع النظام عائلاتهم من زيارتهم طيلة 7 سنوات وتمّ تعذيبهم في السّجن. وفي بداية جوان 1973 تمّ إطلاق سراح من بقي حيّا من المتّهمين بعد أن تمتّعوا بسراح شرطي وبعد أن أمضوا أكثر من 10 سنوات في السّجن.
وهذا ما جاء في الورقة التي سمحت لنا رشا التونسي بنشرها، وكان تميم الحمادي رحمة الله عليه (توفي سنة 2008) مسجونا في في داموس برج الرومي آنذاك.
ورقة ثالثة من مذكرات تميم الحمادي في داموس برج الرومي: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملأت منهم رعبا
في غير التوقيت العادي وبعد أن أطعمونا وجلبوا الغطاء والحصير، سمعنا صرير المفاتيح في الأقفال وحركة وخطى مسرعة وصوت يصيح قبل فتح الباب الثاني
– تقعـــــد… قوم
ودخل رئيس الحراس ومن معه، وأخذ يتفحصنا واحداً واحدا وفي قلب منا يدور نداء واحد” ربي يستر”
ونادى الحارس الأول :
– “حمة”
دخل “حمة” وهو يرتعش خوفاً وفي يده سطل بناء، وصدر الأمر :
– داويهم.
وتقدم “حمة” بسطله يرشنا ويعفرنا بمادة ال- د د ت – ولكن بكميات قليلة، ولم يقتنع رئيس الحراس بهذا فدوى صوته :
– يا كلب موش هكة بالبرشة.
وزاد ارتعاش “حمة” وأخرج علبة طماطم من غبرة ال د د ت وملأها، وأخذ يصب علينا المسحوق ونحن وقوف في حالة استعداد دون أي حركة، وكان نصيب كل منا علبة كاملة يعفرنا بها من أعلى إلى أسفل ويطلب منا فتح سراويلنا ليصب ما بقي هناك. والحراس واقفون يحدقون وقد سحب أكثرهم منديله ووضعه على أنفه اتقاء الغبار والرائحة القوية للمسحوق،
وعندما أتم “حمة” تعفيرنا وبقيت كمية في القسطل، تعالى صوت رئيس الحراس مجلجلاً:
– كمل الباقي فوق الزور والبياصات.
وانطلق “حمة” يرش مما اضطر الحراس إلى الانسحاب خارج الزنزانة هروبا من قوة الرائحة،
خرج الجميع وأقفلوا الباب وأطفئ النور وبقي مصباح صغير يضيء الأشباح الواقفة وقد ازدادت العتمة بفعل الجو المفعم بالغبار.
عشرة كيلو غرامات أو أكثر من مسحوق “ال د د ت” فوق أبداننا وملابسنا وفي كل مكان من الزنزانة الضيقة، كنا بيض تماماً من الرأس إلى أخمص الأصابع، كل حركة تثير الغبار، وبدأ الدواء يلسع حلوقنا والسعال والعطس يتناوب منا، حاولنا أن نتخلص ولو قليلاً من المسحوق ونبعده لكن لا مناص مهما حاولنا وحاولنا وحاول كل منا أن يجد طريقة لينام متدثراً بغطائه الفقير. فقد جمدنا برد الشتاء القارص سلمنا أمرنا لله في انتظار غد آخر.
لا أستطيع القول أننا استطعنا النوم أو حتى غفينا، الكلمة الأدق أننا عشنا ساعات طويلة ثقيلة مؤلمة في انتظار صباح تأخر قدومه، جلست متكأ على الحائط وأنا أرقب الرفاق وهم تحت الغبار الأبيض كأنه غبار الزمن، كانوا ملتحفين الغبار الأبيض وكأنهم موتى في أكفان.
مشهد لم أنسه ولن أنساه، دارت في رأسي تلك اللحظة آيات من سورة الكهف، ولو أن أحداً غير الحراس دخل علينا ونحن تحت الضوء الخافت والغبار الأبيض لما استطاع إلا ترديد الآية الكريمة :
” لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا”
لم يسمحوا لنا بالدوش (طبعا بدون صابون) إلا بعد ستة أشهر من السجن بعد أن عجز مسحوق الد ت ت من القضاء على القمل والبق والبرغوث المتحول والمتجدد والخصب”.
-الصورة أثناء المحاكمة: تميم الحمادي هو الآول على اليسار والمدني في الوسط هو الأزهر الشرايطي، العسكريين الثاني على اليسار هو صالح الحشاني والرابع من اليسار كبير المحرزي وقد حكم على الإثنين بالإعدام.
المصدر: الجمهورية