
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - أوضح الخبير في الحماية الاجتماعية بدر السماوي أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض يعيش وضعية مالية دقيقة تتسم بتناقض لافت بين الأرقام المحاسبية والقدرة الفعلية على الإيفاء بالتعهدات، إذ يجد الصندوق نفسه عاجزًا عن توفير السيولة اللازمة لخلاص مستحقات مسدي الخدمات الصحية في القطاع الخاص، رغم إشرافه على تغطية صحية لفائدة نحو 3.5 ملايين منخرط وتسجيله فائضًا محاسبيًا يناهز 900 مليون دينار.
وبيّن السماوي أن هذا الفائض يبقى حبيس الحسابات والوثائق، ولا ينعكس على الوضع المالي الحقيقي للصندوق، حيث يعاني “الكنام” من نقص حاد في السيولة النقدية حال دون تسديد مستحقات الصيادلة والأطباء وبقية مقدمي الخدمات الصحية في الآجال المحددة، وهو ما تسبب في توتر متزايد في العلاقة بينهم وبين الصندوق، وعمّق أزمة الثقة داخل المنظومة الصحية.
وأرجع الخبير جوهر الإشكال إلى عدم التزام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بتحويل المساهمات المالية المستوجبة لفائدة الصندوق الوطني للتأمين على المرض، مذكّرًا بأن هذا التحويل منصوص عليه بمقتضى قانون صدر منذ سنة 2017، غير أن الصعوبات المالية التي يمر بها صندوق الضمان الاجتماعي حالت دون تنفيذ هذا الالتزام، لينتقل العجز من مؤسسة إلى أخرى ويثقل كاهل المنظومة بأكملها.
وفي تحليله لسبل الخروج من الأزمة، اعتبر بدر السماوي أن المعالجات الظرفية ذات الطابع التقني، على غرار تطوير البطاقة الذكية أو مراجعة آجال الخلاص، لم تعد قادرة على امتصاص حدة الأزمة أو ضمان استقرار المنظومة، مؤكّدًا أن الحل الحقيقي يمر عبر إصلاح هيكلي شامل وعميق لمنظومة الضمان الاجتماعي يعيد التوازنات المالية المفقودة ويضمن ديمومتها على المدى المتوسط والبعيد.
كما شدد على أهمية مراجعة آليات التمويل الحالية، داعيًا إلى تنويع مصادر تمويل الصندوق وعدم الاكتفاء بالاعتماد على مساهمات الأجراء والمؤسسات، معتبراً أن هذا الخيار لم يعد كافيًا في ظل التحولات الاقتصادية والديموغرافية الراهنة. وفي هذا الإطار، ثمّن التوجهات التي جاء بها قانون المالية لسنة 2026، ولا سيما إقرار ضرائب جديدة من شأنها توسيع هامش تدخل الدولة في تعديل الاختلالات ودعم الاستدامة المالية لمنظومة الحماية الاجتماعية.
وعلى صعيد آخر، قدّم السماوي معطيات حول تركيبة قاعدة منخرطي الصندوق الوطني للتأمين على المرض، مبرزًا أنها موزعة على ثلاث منظومات أساسية، حيث تستأثر المنظومة العمومية بالنسبة الأكبر من المنخرطين بنسبة تناهز 59 بالمائة، تليها منظومة استرجاع المصاريف التي تضم حوالي 25 بالمائة من المنتفعين، في حين لا تتجاوز نسبة الإقبال على منظومة “طبيب العائلة” 18 بالمائة فقط.
وأشار في السياق ذاته إلى أن منظومة “طبيب العائلة”، ورغم انخفاض مساهمة المواطن فيها مقارنة ببقية الصيغ، تشهد أزمة ثقة حادة بين الصندوق ومسدي الخدمات الصحية، ما انعكس سلبًا على مستوى الانخراط فيها، وطرح تساؤلات جدية حول قدرتها على لعب الدور الذي أُحدثت من أجله في تنظيم مسار العلاج وترشيد النفقات الصحية.