القائمة الرئيسية

الصفحات

شاهد الفيديو / يوميات مواطن حر: رتابة وروتين ومعاناة / Video Streaming

حين أصبح لا أغير من طباعي وطبعي ، فكأنني أولد مع يوم جديد،أو كأنني أجدد أمسا أعرفه جيدا،فتتراكم علي الذكريات ، وتتزاحم أمامي نفس المشاهد ، مشاهد أكون قد خزنتها في ذاكرة عقلي الواجد حتى صقلها عقلي الكامن وأظهرها لي معادة على شاشة الحياة..
أحيانا كثيرة أحس أن مشهدا بعينه كان أحيانا كثيرة قد مضى علي معرفته ومشاهدته والتعرف عليه من جميع الجوانب وبجميع الشوائب ، حتى أنني اشك في المشاهدة المعادة..واتكهن بالحلقات المتبقية من مسلسل المشاهدة ، وقد يحرضني سؤالي المتكرر : أين ومتى ابصرت هذا؟ وعبثا احاول ان احدد الزمان والمكان ..
لكن عندما يعاد مشهد آخر يمر سابقه الى نفق النسيان ،وتتجلى الصورة الجديدة، ويعاد نفس السيناريو على مخيلتي ، وقد اصاب بالهوس احيانا وبالضجر احيانا اخرى من تداول الحياة اليومية على نفس معالم الامس او اول الامس او الاسبوع المنصرم ، او الشهر المنقضي او حتى السنة الفارطة ، ومثل هذا الضجر وهذا الهوس وهذا القلق يرافقني منذ مطلع الفجر..
= نفس الآذان تقرع نفس الآذان
= نفس النسائم المنعشة ، تدغدغ نفس الخياشيم
= نفس التململ اليومي المعتاد،يراود نفس الرغبة في تمطيط دقائق النوم الصباحي العذب
= نفس المحيط الذي يحاط بي ، يتنمق ولا يتغير، ولا يغيرني ولا يغير من طبعي وطباعي..بل بالعكس يعمق جروح المسار اليومي ويمرغ سكين الروتين فيها مجددا..
من منا لم يسأل نفسه ولو مرة واحدة بعد ان يعاد عليه سيناريو مكرر تكرارا غريبا، هل هذا الموقف عرفته بالامس ؟ والموقف رغم بساطته احيانا قد يعرف الاعادة بجميع فصولها :
= الم اقف في مثل هذا المكان بالامس ، في آنتظار نفس الحافلة لنفس الرحلة الصباحية ولنفس الزمان وفي نفس المكان..
= الم أكلم مثل هذا الشخص ، هو بعينه، بنفس الكلمات وبنفس اللهجة الودية ، وسألته نفس الاسئلة وودعته بنفس الطريقة وبنفس البروتوكول..
= الم ار تلك الصبية الفاتنة في المحطة، بنفس اللباس وبنفس الملامح الخلابة وبنفس التسريحة الجذابة،والقيت عليها نفس التحية بنفس المشاعر الجياشة وبنفس الدواعي الفياضة وبنفس النوايا السامية..
وقد يعاد نفس السيناريو غدا او بعد غد، كأني بالحياة اليومية الروتينية هي مسرحية معادة على نفس الركح وبنفس الممثلين وبنفس الديكور وبنفس الاخراج ولو بخروج طفيف عن النص الاصلي ، وبحضور نفس المشاهدين، فهل معنى هذا ان حياتنا مسرحية متعددة الفصول ، متعددة العروض؟
ولان التكرار والتعود عليه أصبح مملا واصابه داء النخر والرتابة عرف السليم منا مرض العصر : مرض الستراس او الضغط الاجتماعي في جميع مراحله،من بداوته الى عصرنته..حتى ان الاطباء السيكولوجيين صاروا قبلة فوق راسها علاج ..
ورغم ان الاصحاء – قبلا- كانوا يتحاشون مثل هذه العيادات ، فانهم ارغموا عليها او قل ارغمهم عليها ناموس الحياة الآنية ،اسعافا ..ولكن هل زيارة هذه العيادات بمرور الزمن لا تصبح رتابة .. وبالتالي يصبح القرص المهدئ غير كاف للتهدئة ؟
لهفي على ابنائنا ، كيف سيعالجون هذه الاعراض وكيف سيرفعون رؤوسهم امام هذا الكم الهائل من الامراض الوهمية؟ لان اباءنا واجدادنا وان لم يعرفوا مثل هذه التحرشات الاجتماعية المقيته ، لانهم تعودوا على العيش طويل المدى على انغام انتظار الصابة الفلاحية وخدمة الارض ..
ونحن نعلم ان الصابة لا تتكرر كل شهر ولا كل يوم ولا كل موسم ، ولذا نراهم يتمتعون بالوقت ويمططون اوقاتهم كما يحلو لهم ويغيرون من انماط عيشهم الزهيد كيفما يعرفون .. واحقاقا للحق ، فان كل واحد منهم يقبض على عقرب الساعة بيد وعقرب الدقائق باليد الاخرى ولا يلدغ بسم الرتابة..

محمد بوفارس

 

المصدر: الصريح


TH1NEWS