بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
إن كان من البديهي أن يكون نضال المنظمات العمّالية في العالم هو من أجل العدالة الاجتماعيّة و التحرّر من الاستغلال الرّأسمالي فانّ النضال العمّالي في تونس بدأ في الواقع بخصوصيّة يمكن أن ننعتها بأنّها كانت موسومة بطابع اليسار والتقدّميّة و منذ النشأة ، اذ كان الأباء المؤسسّين امّا تلقّوا دروسهم النقابيّة أو خطوا خطواتهم الأولى ضمن النقابات الفرنسيّة التابعة للاتحاد المحلي للمركزية الفرنسيّة (CGT) أو تأثروا برفاقهم ضمن التيارات الاشتراكية الناشطة آنذاك في تونس من الفدرالية الاشتراكية بتونس و فرع الحزب الشيوعي فيها.
و نذكر كأمثلة على ذلك من المؤسسين محمد الخميري و مختار العياري و فينودوري ومحمود الكبادي و محمد علي الحامي مؤسس جامعة عموم العملة ذاته الذي تأثر حتما بما عايشه في ألمانيا من التيارات و الأفكار الاشتراكيّة في عشرينات القرن الماضي وقبل عودته لتونس و تأسيس الجامعة و صداقته مع المناضلين الشيوعيين جون بول فنيدوري و المختار العياري اللذين نُفيا معه أو من اللاّحقين و مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل فرحات حشاد ذاته تلقي دروسه النقابيّة الأولى في ال س.ج.ت و كان متأثرا برئيسه فيها الزعيم الاشتراكي و قائد هذه النقابة في تونس القائد الاشتراكي البار بوزنكي (1908-1971).
و يمكن أن نذكر كثيرين آخرين من مناضلي ال س.ج .ت. قبل تأسيس الاتحاد شأن النّوري البودالي أو محمد كريّم و الحبيب عاشور.
هذا اضافة للتنافس و التأثر المتبادل مع الاتّحاد النّقابي التابع لـ س.ج.ت الذي تحوّل، كما هو معلوم ، الى نقابة مستقلّة في مؤتمره الاستثنائي المنعقد في تونس في 27 أكتوبر 1946عن المركزيّة الفرنسيّة وأضحى يسمى “الاتّحاد النّقابي لعملة القطر التّونسي” U.S.T.T.” و على رأسها الشيوعي حسن السّعداوي و التي كان لها التأثير البالغ في نشر أفكار العدالة الاجتماعية و قيم اليسار المعروفة من المساواة بين البشر و بين النساء و الرجال و تحرّر المرأة…
و ليس من باب الصّدفة أنّ الأفكار الإصلاحية و الأكثر جرأة و التي خلخلت كثيرا من المسلّمات عند المجتمع التونسي و منذ ثلاثينات القرن الماضي كانت صادرة من النقابيين ومن مثقفين قريبين منهم صحفيين و مسرحيين و شعراء و غيرهم و لعلّ أهم رموز تلك الثورة على التقاليد و على الجمود الفكري و الحضاري كانت من المناضل النقابي و الدستوري الطاهر الحدّاد و خاصة في مؤلفاته الثلاثة ” العمّال التونسيون و ظهور الحركة النقابية” و” امرأتنا في الشريعة والمجتمع” و “خواطر”.
كذلك المتتبع للإصلاحات الكبرى التي عرفتها تونس المستقلة و منذ 1956 يلحظ فيها بصمات الفكر النقابي الإصلاحي و المتنوّر، حتى و إن كانت قيادة الحزب الحر الدستوري التي حكمت تونس المستقلة ذاتها ، تشترك مع النخبة النقابيّة في ذات التطلّعات التحديثيّة ، فإصدار مجلة الأحوال الشخصيّة و توحيد القضاء و الغاء المحاكم الشرعيّة و توحيد التعليم و تعصيره و حل الأوقاف و غيرها من إصلاحات التأسيس الأولى كان للنقابيين، إن كانوا في الحكومة أو في المجلس النيابي، الأثر الكبير فيها شأن دور الأستاذ محمود المسعدي مثلا، الأمين العام للاتحاد اثر اغتيال حشاد ، في وضع برنامج اصلاح التعليم سنة 1958.
كذلك في كلّ المكتسبات الكبرى الأخرى للشعب التونسي والتي تميّزه عن بقية الشعوب العربية كان للاتحاد العام التونسي للشغل دورا مهمّا فيها ، اذ كان الشريك الفعلي في بناء الوطن عبر حضور ممثليه في مختلف مواقع القرار التشريعي و السياسي و الاجتماعي حتى أنّ مسائل كحرية المرأة و مساواتها مع الرجل أو مجانية التعليم والصحّة والضمان الاجتماعي و الانفتاح على الحضارات الأخرى…أضحت من المسلّمات لدى غالبيّة التونسيّين رغم التهديدات المستحدثة من القوى الرّجعيّة.
المصدر: الجمهورية
THNEWS