القائمة الرئيسية

الصفحات

شاهد الفيديو / الــقــلـم الــحــــر: لا لسطو الحكّام على اختصاص القضاة والمؤرخين / Video Streaming

بقلم:  عفيف البوني

الملاحظات التي سآتي عليها استخلصتها من قراءتي لما في قانون العدالة اﻻنتقالية من ثغرات وتناقضات وضعها المشرع بقصد حزبي عام 2013 واختار لذلك هيئة بقيادة مسيسة، وقد بينت جلسات اﻻستماع اﻻولى انتقاء مدروسا.
بداية أؤكد تشبعي بثقافة حقوق اﻻنسان بمعاييرها الكونية وانني أرفض وأدين كل انتهاك معنوي أو مادي لكرامة اي انسان، وكل انتهاك هو جريمة ﻻتتقادم وﻻ يجب ان يفلت مرتكبها من المحاسبة عليها لكن فقط أمام القضاء المستقل والنزيه، وأي محاسبة غير ذلك هي غير عادلة وغير نزيهة،  ومع تعاطفي الكامل واﻻنساني مع من انتهكت كرامتهم،ﻻ أعتقد  ان الحقيقة والكرامة ، سيتحققان بتطبيق ذلك القانون اﻻخرق وبتلك القيادة المسيسة لتلك الهيئة، خصوصا وان عدد ملفات الشكاوى المشروعة او المدعاة بعشرات اﻻلوف وتمتد على فترة زمنية قياسية من قبل اﻻستقلال والى2013، على اختلاف المراحل في السياسات والقوانين واﻻطراف المتصارعة من خارج اﻷعراف السياسية  والتقاليد الديمقراطية، من طرف الحاكمين كما من طرف المناهضين له او المتآمرين عليه، بحسب ادعاءات أو دعايات الجميع.
 وهنا أسأل من هو المؤهل غير القضاة المحايدين والنزيهين ان يحكم باﻻنصاف والعدل، في ماهو جنائي، ومن هو المؤهل اكثر من المؤرخين والباحثين في أن يحكم وأن ينتصر للحقيقة وللتاريخ، في قضايا وادعاءات عشرات اﻵﻻف على امتداد 60 سنة، ومن هو المؤهل غير هؤﻻء في الحكم على اسباب وفظاعات ما حصل في الصراع الشخصي والسياسي بين بورقيبة وبن يوسف، وكلاهما وطنيان تورطا وورطا كثيرين في اﻻنتقامات والتصفيات الدموية،ومن هو المؤهل للحكم على من قاموا فعلا او اتهموا باطلا بمحاولة قلب نظام الحكم بالقوة بداية الستينات وكذلك المغامرين المسلحين المتمردين الذين هاجموا قفصة امنا وجيشا وبدعم مالي وبالسلاح من الخارج، فهل هؤﻻء ثوار أو معارضون  أم متآمرون وخارجون على القانون؟! وهل الذين نشطوا ضد النظام الحاكم من خارج النضال السياسي العلني والمرتبط بقوى أجنبية، أو هم نشطوا لتغيير نمط العيش المشترك للمجتمع التونسي، وهددوا تجانسه وما حققه من تطور معاصر… هل هؤﻻء كانوا فعلا من الديمقراطيين ومن السياسيين المسالمين؟

إن فلسفة القانون المذكور هدفت الى تحقيق العدالة ومعرفة الحقيقة لكن التناقضات المدسوسة فيه والسياق الحالي لسياسة انتقاء اشخاص ومواضيع الجلسات، لن توصلنا الى الهدف المعلن، ذلك القانون مسيس ويطبق بتوجه سياسي ﻻ يخدم تونس والتونسيين، وعلى قوى الخير في مجتمعنا المدني أن تصلح مسار العدالة اﻻنتقالية الخاطئ قبل فوات اﻻوان، وأتوجه باﻹقتراح الى القضاة ورجال القانون المستقلين ورجال الفكر والمؤرخين الناشطين في المجتمع المدني كي يبادروا بما يرونه مناسبا في هذا اﻹطار، كما أن شيطنة قوى اﻷمن الوطني خلال 60 سنة أمر ﻻوطني وﻻ عقلاني. كان هناك استبداد وحصلت اﻻنتهاكات، ويجب البحث عن كل ذلك والمحاسبة عليه، دون تعميم  ومن قبل المؤهلين النزهاء والمحايدين كالقضاة والمؤرخين، وعندها فقط يمكن معرفة الحقيقة وانصاف الضحايا، بدل هذا التسييس الخطير لموضوع انساني، وماذا لو تضمنت جلسات معرفة الحقيقة اﻹستماع الى رجال اﻷمن الوطني والى المسؤولين السياسيين عنهم فيشهدون استنادا ﻷرشيف الدولة الموثق أثناء وقوع الحدث او اﻻنتهاك، لنكتشف ان الضحية قد كان بريئا ووديعا او قد كان غير ذلك، كما نكتشف ان الجلاد قد كان متوحشا فعلا اوكان هو اﻵخر ضحية سياسة نظام مستبد وهو غير محمي ان رفض تنفيذ اﻷوامر ويعرف انه يقتات من وظيفته في بلد غير ديمقراطي، ويعرف ان ضحيته كما هو ﻻ يحترمان القوانين وﻻ يتقيدان في حياتهما بمعايير القانون الدولي اﻻنساني في عام 1955 وفي 1963وفي1966وفي1968 و1980و1981و1984و1987و1991.
وفي هذا المجال اقترح على نقابات اﻻمن الوطني ان تبادر بما  يصلح في هذا المجال وبالتنسيق مع النزهاء من القضاة والمؤرخين من غير المتحزبين، والتونسيون كلهم في حاجة الى المصالحة والحقيقة، بعيدا عن التزييف والتسييس.

المصدر: الجمهورية