
أخبار تونس العاجلة من الثورة نيوز - دقّ خبراء المناخ ناقوس الخطر مجدداً بعد تسجيل مستويات غير مسبوقة لحرارة مياه البحر الأبيض المتوسط، في تطور جديد يعكس تسارع تأثيرات التغيرات المناخية على المنطقة ويثير مخاوف متزايدة بشأن التداعيات البيئية والاقتصادية المنتظرة خلال الأشهر المقبلة.
وفي هذا السياق، كشف المهندس البيئي والخبير في الشأن المناخي حمدي حشّاد أن نهاية شهر ماي الماضي شهدت ارتفاعاً استثنائياً في درجات حرارة مياه البحر بالمتوسط، حيث تجاوزت القيم المسجلة المعدلات العادية بفارق بلغ 5 درجات مائوية في الجزء الغربي من البحر، فيما وصلت الزيادة إلى نحو 6 درجات مائوية في مناطق أخرى، وهي مستويات وصفها بأنها غير معهودة مقارنة بالمعدلات الموسمية المعروفة.
وأوضح حشّاد أن خطورة الوضع لا تتعلق فقط بحجم الارتفاع المسجل، بل أيضاً بتوقيت حدوثه، مشيراً إلى أن هذه المؤشرات ظهرت في وقت مبكر جداً من السنة. وقال إن مثل هذه الظواهر البحرية المتطرفة يتم عادة رصدها خلال ذروة الصيف، وتحديداً في شهري جويلية وأوت، بينما تم تسجيلها هذه المرة خلال شهر ماي، وهو ما يرفع من احتمالات حدوث اضطرابات بيئية وجوية متطرفة خلال الفترة المقبلة.
وتتوافق هذه المعطيات مع أحدث النتائج العلمية الصادرة عن برنامج "كوبرنيكوس" الأوروبي لمراقبة المحيطات والخدمات البحرية، والذي نشر في 30 ماي 2026 بيانات أظهرت ارتفاعات لافتة في درجات حرارة سطح البحر على امتداد مناطق واسعة تشمل شمال شرق المحيط الأطلسي وغرب البحر الأبيض المتوسط. كما بينت المعطيات أن هذه الظاهرة البحرية تزامنت مع موجة حر مبكرة وقوية ضربت عدداً من بلدان أوروبا الغربية خلال الأيام الأخيرة.
وأظهرت الخرائط المعتمدة على تحاليل الأقمار الصناعية وجود ما وصفه المختصون بـ"الشذوذات الحرارية الإيجابية القوية"، حيث تجاوزت درجات الحرارة في بعض المناطق أكثر من 5 درجات مائوية فوق المعدلات المناخية المرجعية المعتادة، في مؤشر إضافي على اتساع نطاق الظاهرة وشدتها.
ويرى مختصون أن تونس ستكون من أكثر الدول المتأثرة بهذه التطورات بحكم موقعها على البحر الأبيض المتوسط وامتداد سواحلها على نحو 1100 كيلومتر. وتشير التقديرات إلى أن حوالي 68 بالمائة من السواحل التونسية تبقى معرضة بدرجات متفاوتة للتآكل أو الغمر البحري، في وقت يشكل فيه الشريط الساحلي مركزاً رئيسياً للنشاط الاقتصادي وموطناً لقرابة ثلثي السكان، فضلاً عن احتضانه ما يقارب 80 بالمائة من الأنشطة الاقتصادية في البلاد. كما يهدد ارتفاع مستوى سطح البحر بزيادة مخاطر الفيضانات الساحلية وتفاقم مشكلة تملح المياه الجوفية.
ولا تقتصر الانعكاسات المحتملة على المناطق الساحلية فقط، إذ تمتد لتشمل الثروة السمكية والأنظمة البيئية البحرية. فارتفاع حرارة المياه يساهم في اضطراب التوازنات البيئية، ويؤدي إلى تغير توزيع أنواع الأسماك ونفوق بعض الكائنات البحرية، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على نشاط الصيد البحري، خاصة في مناطق حساسة مثل خليج قابس. كما ترتبط هذه التغيرات بزيادة انتشار قناديل البحر في عدد من السواحل.
أما القطاع الزراعي والموارد المائية، فيواجه بدوره تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتراجع كميات الأمطار وتفاقم فترات الجفاف. وتشير التوقعات إلى إمكانية ارتفاع درجات الحرارة بمعدل 1.8 درجة مائوية بحلول سنة 2050، وصولاً إلى نحو 3 درجات مائوية مع نهاية القرن، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وزيادة الضغط على الموارد المائية المحدودة أصلاً.
كما يحذر الخبراء من أن ارتفاع حرارة البحر الأبيض المتوسط لا يمثل مجرد ظاهرة بحرية معزولة، بل يمكن أن يساهم في تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى، على غرار موجات الحر والعواصف القوية والفيضانات الخريفية، وهي مخاطر سبق أن نبه إليها عدد من المختصين المحليين، من بينهم حمدي حشّاد وعامر بحبة، في ظل الترابط الوثيق بين حرارة المياه والاضطرابات المناخية التي تشهدها المنطقة.