هل حسمت المسألة الدينية في تونس؟

كتب نوفل سلامة

الموعد الشهري لندوة منتدى الفكر التونسي لشهر ماي الجاري الذي تشرف عليه جمعية أحباء المكتبة المعلوماتية والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بأريانة قد تناول موضوعا راهنيا وقضية جدالية وتعرض إلى مسألة الإسلام في تونس والقراءات المتعددة التي عرفها على مر العصور على أيدي الكثير من المفكرين والمنتمين إليه وهي رؤى أنتجت أشكالا متعددة للتدين وصورا مختلفة للممارسة التعبدية تراوحت بين السلمية والعنف حيث رصد لنا تاريخ حضور الدين الإسلامي في بلادنا محطات كثيرة عاش فيها الشعب التونسي في كتف الاحترام والسلمية رغم اختلاف صور التدين والانتماء المذهبي كما عرف فترات أخرى كان الاختلاف حول القراءة الدينية للنص الديني والاختلاف حول أشكال التدين المذهبي طريقا لحدوث اعتداءات بالعنف وصلت إلى حد القتل كما هو الشأن في الأحداث الدموية التي رافقت طرد الشيعة من تونس على يدي الإمام محرز بن خلف خلال القرن الخامس هجري وهي أحداث حصلت نتيجة الاختلاف المذهبي والقراءات المتعددة لنصوص الدين الإسلامي .

في هذه الندوة التي احتضنتها المكتبة المعلوماتية مساء يوم الأربعاء 9 ماي الجاري سافر بنا السيد بوبكر بلحاج الأستاذ بكلية الآداب بمنوبة في رحلة طويلة لتواجد الإسلام في تونس بداية من الفتح الإسلامي ومجي الفاتحين العرب المسلمين من المشرق في زمن الحكم الأموي خلال القرن السابع للهجرى لنشر الدين الجديد وترسيخ العقيدة الإسلامية القائمة على العقيدة الأشعرية في التوحيد التي مزجت بين العقل والنقل وعلى المذهب المالكي في الفقه واختيار مذهب إمام دار الهجرى مذهبا رسميا للبلاد وترجيحه على غيره من المذاهب الفقهية لاعتبارات تعود إلى ميزة الاعتدال والوسطية التي عرف بها أما في السلوك والتصوف فقد مالت الكفة إلى الجنيد البغدادي أحد أعلام التصوف القريب مذهبه في التصوف من المذاهب السنية المعتدلة. وبتركيز الإسلام عقيدة وفقها وسلوكا  فقد ساد الاعتقاد بأن المسألة الدينية قد حسمت في تونس وأن التدين الإسلامي قد ثبت على شاكلة واحدة نهائيا كما ساد الاعتقاد بأن مسألة الإسلام السني التعبدي قد حسمت هي الأخرى لنستفيق بعدد عقود من الممارسة والفهم أن المسألة الدينية في تونس لم تحسم وأن الإسلام الواحد قد عرف صورا عديدة لقراءته وتطبيقاته وأن الدين الواحد قد أفرز قراءات ورؤى متعددة ومختلفة شكلت صيغا كثيرة للتدين ودعوات تطالب بترك الناس أحرارا في اختيار الإيمان الذي يرتضونه وإتباع شكل التدين الذي يختارونه.

اختار المحاضر أن يتحدث عن مسيرة الدين الإسلامي في تونس من خلال استعراضه لتعدد صور التدين التي ظهرت خلال عصور كثيرة من أبرزها الاختلاف المذهبي حيث عرفت البلاد بروز مذاهب مختلفة من سنة إلى شيعة إلى إباضية و خوارج وقد برزت بفضل هذا الاختلاف في الانتماء المذهبي بعض الأحداث الدامية الذي حصلت زمن دولة بني زيري واضطرار الشيعة إلى مغادرة تونس بعد طردهم نحو القاهرة أو بروز بعض الثورات كثورة صاحب الحمار الخارجي التي تم اجهاضها من طرف الشيعة زمن حكمهم في تونس. كما تحدث عن حالة الدين الإسلامي في زمن الموحدين ودعوتهم الرامية إلى استعادة مذهب السلف الذي تلوث نتيجة ابتعاد الناس عن صورة التدين الصحيح وهيمنة البدع والخرافات فكانت الدعوة الموحدية لصاحبها محمد بن تومرت دعوة تصحيحية للعقيدة الإسلامية. وتوقف المحاضر قليلا عند الحفصيين ومجيء الأتراك العثمانيين ودخول تونس عهد حكم البايات ومعهم جاء المذهب الحنفي لتعرف تونس تعايشا هادئا بين مذهبين سنيين من أكبر المذاهب الإسلامية. وعند مروره على الحقبة الاستعمارية خصص المحاضر حيزا كبيرا من كلامه إلى الطريقة التي تصرف بها الرئيس بورقيبة مع الدين الإسلامي حيث ننتهي إلى أن بورقيبة كان له موقفان من الإسلام وأن سلوكه تجاه الدين قد عرف مرحلتين محتفيتين الأولى مرحلة زمن الاستعمار والثانية مرحلة الاستقلال فخلال الحقبة الاستعمارية كان بورقيبة منتصرا للدين الإسلامي ومدافعا عن تشريعاته وأحكامه وقد استعمله في إحراج المستعمر وكسب الانصار وتحشيد الشعب في معركة التحرر فكان دفاعه عن القرآن واللغة والعربية والحجاب واضحا في هذه المرحلة أما بعد الاستقلال فقد عرفت هذه المرحلة تحولا كبيرا في علاقة بورقيبة بالإسلام حيث لم يعد عنصر قوة ووسيلة تقدم ونهوض وإنما تحول الإسلام إلى عائق للحداثة واللحاق بركب الأمم المتقدمة فحارب الحجاب وألغى التعليم الديني الزيتوني ووحد القضاء وانهى المحاكم الشرعية واجتهد في العبادات فدعا إلى الافطار في رمضان وعده عائقا  لتحقيق التنمية.

وخلال بناء الدولة التونسية الحديثة بعد خروج المستعمر الفرنسي ظهرت مفاهيم جديدة للتدين وعرفت البلاد أشكالا مختلفة لعلاقة الدين بالدولة فظهر ما يسمى بالتدين المساند أو الإسلام المتعاون مع السلطة وتوظيف الدين في الخيارات السياسية لإضفاء الشرعية على الحكم كما هو الحال في التمشي الاشتراكي الذي اختارته الدولة زمن تجربة التعاضد حيث كثر الحديث وقتها حول ملائمة الإسلام لمقتضيات الحداثة والتركيز على مفهوم الإشتراكية في الإسلام وتأصيل المسألة شرعيا بنفي أي تعارض بين الاشتراكية والإسلام واعتبار الخيار الاشتراكي نابع من روح الدن الإسلامي ومن هنا عرف الإسلام في هذه المرحلة تلازما مع السياسة وارتباطا بالاقتصاد وكان الخطاب الرسمي يصرح بربط الدين بالدولة والإسلام بالسياسة والاقتصاد والاجتماع واعتبار الإسلام مرتكزا للنهضة ولكل القضايا الجديدة وعدم اعتباره عائقا للأمة وقد برز هذا التوجه للإسلام المساند أو المنخرط في سياسة الدولة والمتعاون مع الخيارات السياسة في خطاب الطاهر بن عاشور حول الديمقراطية وهو خطاب يصب في التوجه الجديد للعصر الذي عاش فيه والذي شكلت فيه المسألة الديمقراطية إحراجا للزعيم بورقيبة حيث تحدث الشيخ الطاهر بتن عاشور عن علاقة متينة بين الإسلام والديمقراطية وتحدث عن حكومة الإسلام الديمقراطية التي تختلف عن ديمقراطية الحكومات الغربية وهو حديث جارى به الشيخ السلطة السياسية التي كانت تتلمس طريقها نحو هذا الخيار الصعب الذي فشل فيه بورقيبة.

وينهي الأستاذ بو بكر بلحاج هذا السفر الطويل لحضور الإسلام في بلادنا ومختلف المحطات التي عرفها التدين الاسلامي في ربوعنا بالحديث عن أشكال أخرى للتدين الإسلامي ظهرت بعد مرحلة الإسلام المساند والمتعاون مع دولة الاستقلال التي وظفته في معاركها المختلفة حيث عرفت مرحلة السبعينات بدابة بروز الإسلام المعارض أو الاسلام الاحتجاجي الرافض لخيارات الدولة الجديدة وهو صورة أخرى لفهم الدين وقراءة أخرى للتدين بدأت مع الجماعة الإسلامية ثم مع حركة الاتجاه الإسلامي وانتهت بحركة النهضة وهو تدين يرى أن الاسلام لا يمكن أن يكون مساندا على الاطلاق أو متعاونا مع الحكومات التي لا تطبق شرع الله فكان هذا الإسلام المعارض صورة أخرى للإسلام في تونس يعتبر أن الدين يمكن أن يكون احتجاجيا في وجه الحكام الظالمين والحكام المخالفين لتعاليمه  وقد عرفت مرحلة الإسلام الاحتجاجي تصادما عنيفا بين هذا النوع من التدين المعارض والدولة انتهى في مرحلة بن علي إلى ما يعرف بسنوات الجمر وهي سنوات عرف فيها اتباعه المحاكمات والسجون والمنفى إلى أن جاءت الثورة وانتقل التدين المعارض أو ما اصطلح على تسميته بالإسلام السياسي إلى ممارسة الحكم وتجربة السلطة بعد الفوز في الانتخابات وهي مرحلة أخرى من مراحل مسيرة الإسلام في تونس .

فهل حسمت المسألة الدينية في تونس ؟ وهل يمكن أن نعتبر أن الدين الإسلامي في خطر كم يروج له البعض ؟ هل يكمن ان نعتبر أن دستور 27 جانفي 2014 قد حسم المسألة من جديد كما اعتقنا أنها حسمت بدخول الإسلام إلى ربوعنا زمن الفاتحين ؟ هل حسم الدستور الجديد مسألة الانتماء الى الاسلام حينما فتح الباب للخروج منه وتجريم تكفير المخالفين له ؟ هل يمكن ان تعتبر أن مسألة تعدد القراءات والتأويل للنص المقدس قد حسم المسألة الاسلامية بعد أن ظهر العديد من الشخصيات التونسية التي قدمت قراءات معاصرة للإسلام وأفهاما جديدة لتشريعاته ؟ كل هذه الأسئلة الحارقة ختم بها الأستاذ عيسى البكوش الذي تولى تقديم الندوة وإدارة الحوار و تركها دون إجابة ليعيدنا من جديد إلى وهم البداية وهو أننا كنا نظن ان المسألة الدينية قد حسمت مع قدوم الفاتحين العرب من المسلمين لبلادنا وتركيز دعائمه في أرضنا .

المصدر: الصريح


TH1NEWS

©جميع الحقوق محفوظةمدونة الثورة نيوز - عاجل
Althawranews est spécialisé dans l'actualité tunisienne, notamment politique et économique (entreprises, hotels, banques, secteurs, opérateurs, acteurs, tendances, innovations, etc.). Althawranews s'intéresse aussi à l'actualité liée aux autres domaines d'intérêt public : technologie, culture, société, sport, santé, etc.. Tunisie info, actualité , titres de journaux tunisiens, météo, informations sociales, politiques, sportives, culturelles