قراءة في كتاب : كنت في الرقة..هارب من الدولة الإسلامية
اشترك في خدمة "الأخبار العاجلة" واحصل على أحدث وأهم المستجدات لحظة بلحظة:

يوم 21 يوليو 2017


كتب : نوفل سلامة

نحن أمام كتاب غير عادي ورواية مثيرة وأحداث مؤثرة بطلها شاب تونسي في منتصف عقده الثاني آمن بفكرة وتعصب لها واعتقد في حلم وخسر في سبيله كل شيء .. إلى أن حصلت له الصدمة بعد أن اكتشف عدم مطابقة المثال الذي حلم به مع الواقع الذي هاجر من أجله وعدم توافق حلم حياته مع الحقيقة التي بحث عنها.
كتاب كنت في الرقة هارب من الدولة الإسلامية من تأليف الصحفي هادي يحمد عدد صفحانه 270 صفحة من الحجم المتوسط صادر عن دار نقوش عربية للنشر 2017 يروي قصة حقيقية لشاب تونسي من مواليد 1990 يدعى محمد الفاهم هو الطفل الوحيد مع شقيقتين.. ألماني المولد من أم وأب تونسيين مهاجرين قضي طفولته الأولى في ألمانيا إلى حدود سن الخامسة قبل أن تضطر العائلة إلى العودة النهائية إلى تونس إثر مرض الأب وخروجه للتقاعد وقرار الأم العودة بأبنائها إلى مسقط رأسهم مدينة نابل خوفا عليهم من مؤثرات الحياة الغربية وطبيعة العيش في ألمانيا ورغبتها في تربيتهم تربية سليمة وفق العادات والتقاليد التونسية كما تقول.
قيمة الكتاب أنه يقدم لأول مرة تقريبا قراءة للظاهرة الإرهابية من داخلها ويوفر معلومات عن أخطر تنظيم إرهابي وأخطر جماعة مسلحة تنتمي إلى الفكر الجهادي من خلال تجربة واقعية عاشها أحد أفرادها فكل الدراسات والكتابات والتقارير الصحفية والتحاليل السياسية التي تناولت ظاهرة الإرهاب وموضوع التطرف الديني حاولت أن تفهم كيف يشتغل العقل الإرهابي؟ وكيف تفكر الجماعات المتطرفة وحاولت أن تجيب عن سؤال ضل إلى اليوم يؤرق الكثير من الناس وهو كيف يتحول الانسان العادي إلى متطرف؟ وما الذي يجعل بعض الشباب العاديين يتحولون في لحظة من الزمن إلى متطرفين ويعتنقون أفكارا معطوبة وغير مقبولة اجتماعيا ولكنها تعرف سرعة انتشار كبيرة؟ حاولت هذه الدراسات أن نفعل كل ذلك ولكن كان جهدها من خارج الظاهرة ومن خلال ما يتوفر من معطيات نظرية واخبار وتقارير لا غير في حين أن كتاب كنت في الرقة يتناول القضية من داخل الظاهرة ويجيب عن كل هذه الهواجس من خلال سرد لأحداث واقعية لشاب عاش في الرقة عاصمة الخلافة الإسلامية التي أعلن عنها البغدادي وهاجر إليها الآلاف من الشباب المسلم من كل الجنسيات والأصقاع ومن خلال تجربة مريرة انتهت بخلاصات مهمة.

قيمة الرواية أنها تلفت الانتباه إلى أن نفس العوامل الموضوعية والذاتية التي أدت إلى انتشار التطرف الديني والتي جعلت محمد الفاهم والكثير من الشباب التونسي يقررون الالتحاق بتنظيم الدولة ويعتقدون في صحة خياره ومنهجه لا تزال إلى اليوم موجودة ومتوفرة بما يعني أن مؤلف الرواية يلمّح إلى أن الحل الأمني على قيمته وأهميته وضروريته ليس هو الحل السليم لظاهرة الإرهاب وظاهرة التطرف الديني فالفكرة الأساسية التي نخرج بها بعد قراءة كامل الرواية هي أن هناك جيلا كاملا كبر وتربى على واقع مرير تعيشه الأمة العربية والإسلامية وهناك شباب في سن المراهقة عايشوا الوضع المتردي للمسلمين والضعف والتراجع الخضاري الذي تعيشه الكثير من الشعوب الإسلامية ووقفوا على غطرسة الغرب وهيمنته وعدم قدرة العرب على فرض المهابة والاحترام خاصة في مسألة احتلال فلسطين وعدم منح هذا الشعب دولة مستقلة كباقي شعوب الأرض هذا إضافة الي فشل مشروع التحديث البورقيبي في إيجاد شباب متوازن وفي تحقيق المصالحة بين الماضي والحاضر وبين الأصالة والمعاصرة وفشل منوال التنمية في احتضان هؤلاء الشباب الحالمين .. هذا الجيل اقتنع أن هناك خللا في هذه الأمة وأن هناك مشكلة في هذه الأنظمة القطرية وأنه لا بد من فعل شيء ولا بد من تغيير الأوضاع و الخروج من هذا المأزق الحضاري وهذا الوهن والتراجع ولكن المشكلة أن هؤلاء الشباب كانت لديهم قناعة أن التغيير لا يمكن أن يحصل من خلال التقدم العلمي والتكنولوجي ومن خلال التمدن والنهوض الحضاري وإنما التغيير الحقيقي حسب رأيهم لا يتم إلا من خلال استعمال القوة وتكوين دولة قوية وأن التغيير لا يتم بواسطة العقل والفكر والعلم وانما يتحقق بالساعد وامتلاك السلاح وهذا لا يتم الا متى وجدت دولة قوية مهابة وعد بها الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال في ذلك الحديث الشهير « ثم تكون خلافة على منهاج النبوة « وأن كل الحركات الإسلامية الأخرى هي على غير الطريق الصحيحة وهي تضيع وقتها وهي لن تفعل شيئا من أجل التغيير المطلوب لذلك آمن هذا الحيل بالجهاد واعتقد في التغيير باليد وفي دولة الخلافة وآمن في عودة الحياة كما كانت في عهد النبوة والصفوة الصالحة التي قادت في يوم ما العالم .. وبمجرد أن حصلت الثورة وأعلن البغدادي الخلافة التحق الآلاف من الشباب بهذه الدولة الحلم ومنهم محمد الفالح.

الرواية عبارة عن أحداث ووقائع حقيقية عاشها محمد الفاهم بعد أن التحق بمدينة الرقة بسورية عبر ليبيا ثم الوصول إلى تركيا ومن هناك الطريق مفتوحة نحو الدولة الإسلامية وفي الرقة اعتقد هذا الشاب أن حلمه قد تحقق وأن وعد الله قد تحقق كذلك وأن هويته ودولته الحقيقية قد وجدت.. لقد كانت فرحته لا توصف وهو يعانق رفاقه من مدينة نابل الذين هاجروا قبله.. لقد تخلى بكل سهولة عن جواز سفره وأوراق هويته التي تذكره بالحدود الاستعمارية والدولة القطرية التي لم تفعل له شيئا.. لقد تخلى عن هويته التي ولد بها نحو هوية ودولة جديدتين هي حقيقته وحلمه الذي لطالما بحث عنهما وحلم بهما.

ما حصل هو أنه بعد أن التحق بالمقاتلين وأنظم إلى صفوف المهاجرين وبدأ يلامس الحياة في دولة الخلافة قتال بالنهار وسمر بالليل اصطدم بمخالفة طباع وسلوك القادة والأمراء لما يحمله من صورة مشرقة عن الصحابة والخلفاء وعن الرعيل الأول من المسلمين كان يعتقد أنه سيجد جيل الصحابة الأوائل و دولة الرسول في المدينة ويجد معنى الأخوة والحب في الله والعدالة الاجتماعية ومنع الظلم ويجد دولة الحرية والمساواة التي من أجلها ترك أهله وكل شيء كما ترك المهاجرون الأوائل مكة وخرجوا فارين بدينهم إلى المدينة لكنه بعد أشهر من الانضمام إلى كتائب الدولة وقف على البون الشاسع بين الحلم والحقيقة وبين المثال الذي تخيله وعاش معه لسنوات وبين الواقع الحقيقي كانت الأسئلة تتواتر في ذهنه حول ما يشاهده وما يسمعه من جور أدى ببعض القادة والمهاجرين إلى سجون الدولة والبعض الآخر الى التصفية الجسدية كان يعاين تملق البعض وحبهم للإمارة وحبكهم للمؤامرات من أجل غايات شخصية وصولية .. كان يسأل هل يمكن أن تكون هذه دولة الإسلام فعلا؟ لقد أيقن أنه أخطأ طريقه وأن داعش ليست هي حقيقته فقرر الهروب وبدأ يفكر في التخلص من وهم وكذبة كبيرتين وضع فيهما نفسه.. محمد الفاهم كان يعتقد أن العالم لا يغيره العظماء والحكماء فقط وإنما يمكن أن يغيره المهمشون والمنسيون فلم يتب ولم يندم ولكنه هرب من تنظيم الدولة لأنه شعر أنه فشل في اختياره وأضاع حقيقته ولم يجد المعنى الذي يبحث عنه وتلك مأساة أخرى..

 

 

المصدر: الصريح

Les dernières infos et l'actualité de la Tunisie classée par thèmes: Politique, Economie, Culture, Sport, Régions, annonces, Sciences. Découvrez gratuitement et en temps réel tous les articles, les vidéos et les infographies de la rubrique Tunisie sur 3ajl.info