المنصف بن مراد يكتب حول بارونات الفساد تحكم البلاد والحكومة الصامتة…
اشترك في خدمة "الأخبار العاجلة" واحصل على أحدث وأهم المستجدات لحظة بلحظة:

يوم 08 فبراير 2017

بعد تغيير النّظام كان أغلب التونسيين ينتظرون ارساء دولة تحمي الحريات وتقيم قضاء عادلا وتعاضد حرية الاعلام وتنعش الاقتصاد وتهتم بالولايات التي همّشت في السابق وتفرض مؤسسات قوية وتحارب الفساد، لكن ها نحن سجناء مضيق وذلك بعد أن دمّرت الترويكا أغلب ركائز الدولة بفرضها مصالح حزب عقائدي يتحكّم في جلّ دواليب السّلطة.. ثم أجريت الانتخابات وفاز حزب النداء والباجي قايد السبسي ولم يتغيّر الا القليل..
انّي أعني بالفاسدين كل شخص أو مجموعة أو حزب لا يفكّر الاّ في مصالحه الضيّقة ولا تهمّه مصالح تونس علما أنّ الحكومة التي يرأسها السيد يوسف الشاهد هي حكومة مكبّلة لا تنفع كثيرا في ظروف أمنية واقتصادية واجتماعيّة صعبة جدّا، فضلا عن أنّ الشعب يعاني التهاب الأسعار وتهديدات المتطرّفين والارهابيين!
..وأوّل سؤال نطرحه يتعلق بـ«أعيان» الفساد الذين يحكمون قبضتهم على «التجارة الحدودية» مع ليبيا والجزائر والذين ساهموا في تحطيم الاقتصاد وانتشار الارهاب وتكثيف عمليات التهريب! انّ لدى هؤلاء ما يناهز 40،000 مليار من مليماتنا بما جعل منهم الفاعلين الحقيقيين في الاقتصاد التونسي عوضا عن رجال الأعمال الوطنيين الذين يدفعون الأداءات وينتجون!

لقد أصبح لهذه المافيا نفوذ خاصة ان علاقاتها مع بعض كبار الأحزاب متينة وهي توفّر لبعض السياسيين مداخيل هامّة.. ألم نشاهد بعض كبار بارونات التجارة الموازية مع كبار السياسيين وحتى على شاشات التلفزة وكلهم يبرّرون الفساد والتشدّد، فهل يجوز لإعلاميين ان يبيّضوا  الفساد مقابل مئات من الملايين وحتى عشرات المليارات؟! وأمام هذه المافيا لم  تتحرّك الحكومات بجدية وهي على يقين من انّ البارونات لهم عشرات الآلاف من «العمال» الذين يمكن تجنيدهم بسهولة واستغلالهم لمحاربة الحكومات وتكبيل بعض الولايات اذا أرادوا ذلك! وليس مستبعدا ان يصبح هؤلاء البارونات اصحاب القرار على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وحتى الرياضي والانتخابي تاركين للحكومة سراب النفوذ السياسي.. وليس مستبعدا أن تتحكم هذه المافيات يوما في مناطق من بلادنا طالما انها تمتلك المال والرجال و«صداقة» بعض كبار الأحزاب! وأمام كل هذه المخاطر لم تتحرك الحكومة اما لأنّها خائفة وامّا لأنّها ضعيفة واما لأنّ مصالح بارونات التهريب تتقاطع مع مصالح بعض مسيري كبار الأحزاب.

أمّا الفاسدون الآخرون فهم كل من يتربّص بهذه الدولة ومكتسبات الحداثة. وأعني بهم الأيمّة المتشدّدين الذين يشعلون نيران الفتنة ويساهمون في تسفير الشّباب الى سوريا لما يعتبرونه جهادا أو جهاد نكاح، وكل ذلك والحكومة صامتة، كأنّ هؤلاء الأيمّة محميون من بعض الأحزاب التي تتدخّل كلما وقع اتهام إمام متشدّد، علما انّ حركة النهضة لن تتحوّل الى حزب سياسي طالما أنّها تمثّل الدّرع الحامي لمن بعثوا بأبناء تونس الى جحيم الارهاب في سوريا والعراق وليبيا! فكفانا خطابا مزدوجا لا يخدم مصلحة تونس  ومستقبلها، فهذا الشعب يرفض رجوع الارهابيين المجرمين وهذا الشعب يرفض الخطب الجهادية والتكفيرية والتحريضية على العنف الفكري والمادي.. ثم هناك حزب التحرير الذي يتحدّى الدولة التونسية ويدعو الى الانتفاض وفرض العلم الأسود عوضا عن راية تونس.. كل ذلك والحكومة مسلوبة الإرادة لا تحرّك ساكنا كأنّها تنتظر إركاعها.. وبكلّ صراحة لم أشاهد في حياتي حكومة تسمح للارهاب بالتوسّع والتمركز مثلما فعلت ذلك حكومتا الترويكا كما لم أشاهد أيضا حكومة ضعيفة مثل حكومات جمعة والصيد والشاهد أمام مناورات الفاسدين والحركات والأحزاب المتشدّدة، كما لم أشاهد رئيس دولة لم يف بوعوده مثل رئيس الدولة الحالي الذي أصبح ينظّر في موضوع علاقة الاسلام بالديمقراطية والأحزاب حتى بات مدافعا عن الاسلام السياسي، وحسب اعتقادي فإنّ الاسلام الزيتوني الذي يحترم حقوق المرأة والاجتهاد لا علاقة له بالاسلام السياسي الذي خططت لفائدته حكومات كلينتن وأوباما وتركيا وقطر والوهابية واسرائيل التي ضمنت لامعاداتها من الحركات الاسلامية وداعش..
وحبّ من حبّ وكره من كره فإنّ الكارثة الكبرى التي تهدّد تونس تتمثّل في عدم وعي أغلب الأحزاب بمصالح الشعب وبمخاطر توظيف الدّين لأغراض سياسية وبانعدام تصور برامج تجعل من بلادنا بلاد الحريات والعمل الجدّي ورفع التحديات!
انّي في انتظار بروز جيل جديد من النهضة يقطع مع كل اشكال العنف والتعامل مع المتشدّدين ويتطلع للعدالة الاجتماعيّة ولبناء مجتمع المعرفة والأصالة كما انتظر ان تتغير أغلب الأحزاب المدنية تاركة جانبا المصالح الشخصية وتوريث الأبناء وتمتلك مشروعا متناسقا لبناء دولة القرن21، دولة الحريات والمعرفة والعدل والتضامن.

المصدر: الجمهورية

Les dernières infos et l'actualité de la Tunisie classée par thèmes: Politique, Economie, Culture, Sport, Régions, annonces, Sciences. Découvrez gratuitement et en temps réel tous les articles, les vidéos et les infographies de la rubrique Tunisie sur 3ajl.info